يرتبط الواقع الفلسطينيّ في الضفّة الغربيّة وقِطاع غزّة، اقتصاديًّا وسياسيًّا واجتماعيًّا، ارتباطًا مباشرًا بالمعطيات والمتغيّرات الحاصلة في إسرائيل، وذلك بموجب العلاقات المؤطَّرة ضمن اتّفاقيّة أوسلو، وملحقها ﭘروتوكول باريس، وبموجب العلاقات الاقتصاديّة والتجاريّة القائمة أصلًا قبل تأطير العلاقة ضمن ﭘروتوكول باريس. ومع تعاظم دَوْر الأحزاب اليمينيّة، وسيطرة التوجُّهات النيوليبراليّة على الحكومات في معظم دول العالم، وتراجُع دَوْر الأحزاب اليساريّة، كان الأثر واضحًا على الحكومات المتعاقبة في إسرائيل ما بعد العام 1977، وكذلك على النهج الذي تبنّته السلطة الفلسطينيّة منذ نشأتها. اتّجهت الحكومات في إسرائيل إلى تبنّي نهج السوق الحرّ، وإلى تبنّي سياسات ماليّة نيوليبراليّة، والتوجُّه نحو الخصخصة، وتعظيم دَوْر القِطاع الخاصّ، وكان لهذه التوجّهات أثرها المباشر على الواقع الفلسطينيّ في الضفّة الغربيّة وقِطاع غزّة، وعلى الحكومة الفلسطينيّة، سواء أكان ذاك في العلاقات السياسيّة أم في العلاقات الاقتصاديّة. 

لقراءة الدراسة بصيغة PDF اضغط هنا

استطاعت الحكومات، بتبنّيها سياسات السوق الحرّ والسياسات النيوليبراليّة في معظم دول العالم، أن تعزل العمل السياسيّ عن الاقتصاديّ، واستطاعت أن تتنصّل من مسؤوليّاتها تجاه مواطنيها، ولا سيّما الأقلّيّات الضعيفة. ولعلّ أخطر تأثيرات السياسات النيوليبراليّة ليست الأزمة الاقتصاديّة التي تسبّبت فيها، وإنّما الأزمة السياسيّة. تبنّى اليمين في إسرائيل سياسات نيوليبراليّة اقتصاديّة أسهمت في تحسين مكانة الدولة اقتصاديًّا في العقود الأخيرة، وساعده في ذلك تخلّي اليسار الإسرائيليّ عن مفاهيم اليسار من الناحية الاقتصاديّة منذ منتصف الثمانينيّات. ولتحسين مكانة دولة إسرائيل اقتصاديًّا، أقرّت حكومات اليمين النيوليبراليّة سياسات لدمج الفلسطينيّ في السوق النيوليبراليّ كفرد، ممّا عظّم فكرة الإنجاز والتميُّز الشخصيّ، في مقابل تعزيز الطابع الجماعيّ الإثنيّ – الدينيّ للمجموعة اليهوديّة، والذي جرى التعبير عنه مؤخّرًا بقانون القوميّة. من هذا المنطلق، يرغب مدى الكرمل في الوصول إلى فهم أعمق لانعكاسات السياسات النيوليبراليّة، ولا سيّما الاقتصاديّة منها، على حياة الفلسطينيّين من خلال طرق محاور مختلفة.