عقد مركز مدى الكرمل، المركز العربيّ للدراسات الاجتماعيّة التّطبيقيّة، مؤتمره السّنويّ السادس لطلبة الدّكتوراه الفلسطينيّين، السّبت الماضي، في فندق رمادا أوليفييه في الناصرة بحضور وجاهي للمتحدّثين فقط وذلك نتيجة لتقييدات أزمة كورونا. أمّا الجمهور فقد تمكّن من مشاهدة المؤتمر والمشاركة عبر وسائل التواصل الاجتماعيّ من خلال البثّ المباشر للمؤتمر الذي نظّمه المركز. عرض أربعة باحثين وأربع باحثات فلسطينيّات من الجيل الجديد أبحاثهم/ن الدكتوراه في المؤتمر، وناقشوها مع أكاديميّين، باحثين وناشطين آخرين.

افتُتح المؤتمر بكلمات ترحيبيّة لعضو اللجنة الأكاديميّة للمؤتمر والمدير العام لمركز مدى الكرمل، د. مهنّد مصطفى، مشيرًا إلى هدف المؤتمر في إنتاج معرفة منحازة، لكنها علميّة وتعتمد المناهج البحثيّة الرصينة، وتنتج باللغة العربيّة التي هي جزء من ماهية المعرفة. مشدّدًا على أهمّيّة الدراسة والبحث خاصّة في ظلّ التحوّلات السياسيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة والصحّيّة التي يعيشها هذا الجيل.

أتبعه د. نمر سلطاني، وهو محاضر في كلّيّة الدراسات الشرقيّة والأفريقيّة (سواس) في جامعة لندن، بمحاضرة افتتاحيّة بعنوان: الأكاديميا بين النيوليبراليّة والمقاومة، محاولًا الإجابة على السؤال كيف يمكن إنتاج معرفة مقاوِمة؟ ويقصد سلطاني بذلك مقاومة الهيمنات، ومقاومة الليبراليّة، والرأسماليّة، وعدم المساواة، والسلطة، والظلم بكلّ جوانبه من أجل ازدياد الحرّيّات في المجتمع.

تخلّل المؤتمر جلستين اثنتين، أدار الأولى منهما د. أيمن اغباريّة، عضو اللجنة الأكاديميّة للمؤتمر ورئيس برنامج اللقب الثاني في دراسات التربية والمجتمع والثقافة في جامعة حيفا، والتي كان عنوانها “فلسطين- مقاربات تاريخيّة واجتماعيّة”. عُرِض خلال هذه الجلسة أربعة أبحاث: الأوّل بعنوان “أثر الاحتلال الصليبيّ على العمارة الدينيّة في أرض فلسطين“، قدّمه الباحث عبد الرازق متّاني، طالب دكتوراه في قسم الآثار في جامعة بن غوريون. واستعرض خلاله أثر الاحتلال الصليبيّ على العمارة الدينيّة في أرض فلسطين مقارنة مع الحيّز الشاميّ الذي لم يقع تحت الاحتلال الصليبيّ. مداخلته هذه كانت جزءًا من رسالته الدكتوراه التي تناقش تطوّر عمارة المساجد في جنديّ الأردن وفلسطين منذ الفتح الإسلاميّ حتّى مطلع القرن العشرين.

 أمّا البحث الثّاني، والذي جاء بعنوان “ما بين الجبل والبحر: خدمات الصرف الصحّيّ كمدخل لدراسة العلاقة ما بين أحياء حيفا الانتدابيّة“، فقد كان للباحث أحمد محمود، طالب دكتوراه في قسم دراسات الإسلام والشرق الأوسط في الجامعة العبريّة في القدس. تناول محمود حال شبكات الصرف الصحّيّ بين الأجندة الاستعماريّة البريطانيّة وإدارة الحياة اليوميّة في مجال الصحّة العامّة خلال العقد الأوّل من سنوات الانتداب البريطانيّ على مدينة حيفا. وقد ناقش البحث الثالث الذي عرضه الباحث خالد عنبتاويّ، طالب دكتوراه في علم الاجتماع والإنسان؛ معهد جنيف للدراسات العليا في سويسرا، سؤالَ “الطائفيّة في تصوّرات الناس: كيف تُنتِج الطائفيّة السياسيّة طوائِفَها محلّيًّا؟“. وقد ادّعى عنبتاوي أنّه حين تُرسم حدود الطائفيّة، يتحوّل الانتماء للجماعة ولمجموعة البشر، وليس بالضرورة لقيم الدين ذاته، وحين تُنتج هذه الجماعة مصالحها السياسيّة والاجتماعيّة المُتخيّلة في الخطاب والممارسة (للنخبة خاصّة)، تتحوّل الطائفيّة إلى لاعب مركزيّ في السياسة المحلّيّة. 

المداخلة الرابعة والأخيرة لهذه الجلسة كانت لطالبة الدكتوراه في العلوم الاجتماعيّة في جامعة بير زيت، حليمة أبو هنيّة، بعنوان “ التحوّلات الاقتصاديّة الاجتماعيّة في مخيّم شعفاط للاجئين في القدس: 1965-2018″. ادّعت هنيّة بأن ّالتمييز والأوضاع الصعبة التي عانى منها سكّان مخيّم شعفاط مَنحَت السكّانَ مصادر قوّة ساعدتهم في تمكين أنفسهم والتغلّب على تهميشهم وإقصائهم، كأن يكسروا حاجز الخوف من المستعمِر، وهي أمور برزت كأدوات مقاومة وصمود لديهم. 

جاءت الجلسة الثانية تحت عنوان “الهويّة والممارسة في سياقات فلسطينيّة متعدّدة” أدارها أ.د خالد أبو عصبة، وهو محاضر ومشرف برنامج الدكتوراه في التربية في الجامعة العربيّة الأمريكيّة للدراسات العليا في رام الله. قدّمت خلال هذه الجلسة أربع مداخلات كانت الأولى لرلى (حامد) أبو زيد – أونيل، الحاصلة على إجازة الدكتوراه في علم الاجتماع من جامعة كورك – إيرلندا. تطرّقت أبو زيد – أونيل في مداخلتها “النساء، الذاكرة والنكبة: حالة الفلسطينيّات مهجّرات الداخل” إلى دور الأمّهات والجدّات في نقل الرواية الفلسطينيّة وإلى كيفية تحويلهنّ لهذه القصص والحكايا إلى وسيلة لخلق ثقافة الانتماء، والوعي تجاه الظلم التاريخيّ والوطنيّ، ووسيلتهنّ للتعبير عن مشاعر جيل النكبة اتّجاه تجاربهم وذكرياتهم بأدوات وآليات يتقنونها.

قدّمت المداخلة الثّانية التي جاءت تحت عنوان “تضافر وتنافر آليات القمع وأثرها على التجربة المهنية للحقوقيات الفلسطينيّات في الدولة اليهوديّة“، الباحثة بانة شغري، طالبة دكتوراه في كلّيّة القانون في الجامعة العبريّة في القدس. سلّطت خلالها الضوء على أثر تضافر وتنافر آليات القمع الجندريّة والقوميّة المُمارَسة على الحقوقيّات الفلسطينيّات بسبب تقاطع هويّاتهن الشخصيّة والمهنيّة على مسيرتهنّ المهنيّة، وعلى الأساليب التي يعتمدن عليها للمقاومة والنضال من أجل القضايا التي يُؤْمِنَّ بها ولخلق مساحة من الحرّيّة لأنفسهنّ.

أمّا المتحدّث الثالث، فكان الباحث لؤي وتد، وهو طالب دكتوراة في دائرة علم الاجتماع في جامعة تل أبيب، فقد عرض بحثًا بعنوان “أدب أقلّي لقرّاء أقلّيّين: تحليل مقارن لحقل أدب الأطفال الفلسطينيّ في إسرائيل والضفّة الغربيّة”. أشار وتد أنّه من خلال قراءة حقل أدب الأطفال الفلسطينيّ بأدوات ومفاهيم نقديّة واجتماعيّة، تتحوّل قصّة الأطفال لاستعارة ومثل سياسيّ. السياسة تكشف – من خلال وجهات نظر “أطفاليّة” و”طفوليّة” و”أصلانيّة” – بُعدًا جديدًا ومختلفًا. في حين أنّ مجال الطفولة و”الأطفاليّة”، ذلك المجال المحايد والمنسلخ عن السياسة، يصبح وسيلة دلاليّةً للهروب والخلاص من تثبيت ذلك النظام السياسيّ. 

المداخلة الأخيرة في الجلسة والمؤتمر، كانت لطالبة الدكتوراه في مدرسة الخدمة الاجتماعيّة في جامعة حيفا، لينا غنايم بدران، بعنوان ” بين الدين والعلمانيّة- الفروقات بين العمّال الاجتماعيّين، والأئمة في التوصيّة حول قضايا الأحوال الشخصيّة للأشخاص ذوي التحدّيات العقليّة”. ادّعت بدران أنّه على الرغم من أنّ المجتمع الفلسطينيّ في الداخل ديناميكيّ ومتغيّر، إلّا أنّه لا يزال يتعامل مع مشاكل الصحّة العقليّة والنفسيّة لدى سكّانه من خلال المرآة الدينيّة والتقليديّة، يضمن ذلك طرق التكيّف والعلاج.

وتجدر الإشارة بأن المؤتمر حاز على ما يقارب 7000 مشاهدة بالمجموع، وعبّر الجمهور من خلال تعليقاتهم عن استحسانهم للجهد المبذول من قبل المركز، وإعجابهم بالمضامين المطروحة خلال المداخلات والإطراء على مدى تميّز المتحدّثين والمتحدّثات لهذا العام، على سبيل المثال، كتبَت إحدى المتابعات: ” اللغة مظهر من مظاهر الابتكار في مجموع الأمة أو ذاتها العامّة، فإذا هجعت قوّة الابتكار، توقّفت اللغة عن مسيرها، وفي الوقوف التقهقر، وفي التقهقر الموت والاندثار. كلّ الاحترام لطرح الطلبة مواضيع البحث باللغة العربيّة فهذا ليس مفهومًا ضمنًا”.

أطلق مركز مدى الكرمل المحاضرة الرابعة من سلسلة محاضرات “السياسة في زمن الكورونا” يوم الأربعاء الماضي 06/05/2020. جاءت المحاضرة الرابعة تحت عنوان  “ما بين الكوليرا والكورونا: قراءة تمثيل السكّان المحلّيّين في التاريخ المحليّ الفلسطينيّ” للباحث أحمد محمود، وهو طالب دكتوراه في قسم التاريخ في الجامعة العبريّة، ويكتب في التاريخ الاجتماعيّ للمدن الساحليّة في شمال فلسطين من خلال الطبّ والصحّة العامّة. يمكن تبرير أهمّيّة المقارنة بين انتشار الكوليرا وانتشار الكورونا في محاضرة محمود من خلال الإشارة إلى الضوابط والجوانب المشتركة التي تبعت ظهورهما، كتقييد حركة التنقل، بالتالي تقييد الحياة الطبيعيّة للناس، وتأثير هذه التقييدات على كافة مرافق الحياة على المستوى المحلّيّ والدوليّ على حدٍّ سواء. استهلّ محمود محاضرته بنصٍّ مقتبس من كتاب تاريخ حيفا في عهد الأتراك العثمانيّين للكاتب أليكس كرمل، يتحدّث فيه عن وباء الكوليرا الذي أصاب مدينة حيفا عام 1911، وهو أحد المصادر التاريخيّة التي وثقت لانتشار الكوليرا بشكل هامشيّ.

يقول محمود أنّه بالرغم من كثرة الكتابات حول التاريخ الفلسطينيّ إلّا أنّ قضايا الطبّ، الأمراض، الصحّة العامّة، وبلديّات المدن لم تحظى بالبحث والدراسة، وظلّت المكتبة العربيّة تفتقر إلى أدبيات تاريخيّة منهجيّة حول تاريخ الأمراض في فلسطين.  لذا اهتمّ بطرح ومناقشة أسئلة مثل: ماذا نعرف عن المجتمع الفلسطينيّ خلال اجتياح الأوبئة؟ من هي الفئات التي تمّ تمثيلها؟ وأيّ الفئات تمّ تهميشها؟ ما هي المصادر التي تتحدّث عن فلسطين في الفترات التي اجتاحتها الأوبئة؟  انطلق محمود في محاولة للإجابة على هذه الأسئلة من خلال ادّعائه بوجود علاقة بين تبلور الصحة العامة في فلسطين وانتشار الأمراض والأوبئة، متّخذًا مدينة حيفا نموذجًا للدراسة. وقد عرّف محمود الصحّة العامّة بحصول الإنسان على مياه صالحة للشرب، وتوفّر أنظمة صرف صحّيّ صالحة للاستعمال، ووسائل الصحّة العامّة وأن تكون في متناول الناس. 

انقسمت المحاضرة إلى عدّة موضوعات: بدايةً تناول محمود الطريقة التي تعاملت بها الدول مع وباء الكوليرا، مشيرًا إلى الجلسة التي عقدتها الدول الأوروبيّة في المجلس الصحّيّ العالميّ في إسطنبول لمناقشة خطّ الحديد الحجازيّ الذي أُنشئ عام 1905، ذلك لأنّ خطّ الحديد الحجازيّ شكّل التفافًا على موضوع الحجر الصحّيّ من خلال الموانئ.  وقد كانت الدول في تلك الفترة تحجر المناطق التي انتشر فيها الوباء، على سبيل المثال تمّ حجر مدينة حيفا ومينائها عن باقي المدن حتى زوال الوباء، بالتالي لم يختلف الوضع اليوم في التعامل مع الكورونا عن الوضع آنذاك في التعامل مع الكوليرا. حيث يمكن ملاحظة نجاعة الدولة القومية الحديثة في تقييد الحركة والتنقل، والسيطرة على الوباء نتيجة لهذا التقييد. 

ثانيًا، تناول محمود موضوع تمثيل الفئات الاجتماعيّة والسكّان بالكتابة التاريخيّة في سياق الكتابة عن تاريخ الأمراض وانتشار الأوبئة، موضّحًا أنّ معرفتنا حول انتشار وباء الكوليرا في حيفا سنة 1911 كانت في الغالب من مصادر مثل الصحف العبريّة، والقناصل الأجانب، والصحافة الفلسطينيّة. لم تحتوِ هذه المصادر على معلومات حول التاريخ الاجتماعيّ الفلسطينيّ في وقت انتشار الكوليرا أو حول دور المجتمع في مواجهة الأوبئة، أو ردود فعل الناس على فرض الحجر الصحي. وقد تعاملت الأرشيفات الرسميّة للدولة مع السكّان من خلال تمثيلهم كأرقام وإحصائيّات وليس كحالات مفصّلة وموسّعة، أمّا القناصل الأجانب فقد عمدوا إلى تهميش السكّان المحلّيّين في توثيقاتهم، وعرضهم بصورة سلبيّة، وفي هذا انعكاس للنظرة الاستشراقيّة الاستعلائيّة الغربيّة اتّجاه السكان المحليّين في نهاية الفترة العثمانيّة. لم تختلف الكتابات باللغة العبريّة في إقصاء الوجود الفلسطينيّ في هذا السياق أيضًا. ولم تكن الكتابات العربيّة على قلّتها بديلًا للمصادر المذكورة أعلاه، لأنّها كتابات وصفيّة بالغالب، لا تحتوي تحليلًا منهجيًّا لموضوع الأمراض والأوبئة في سياق إمكانيّة قراءة تاريخ اجتماعيّ فلسطينيّ. 

عند هذا الادعاء يعود محمود لمناقشة اقتباس أليكس كرمل وتوجّهه الاستشراقيّ الذي مدح فيه الألمان الهيكليّين ونشاط الحركة الصهيونيّة الذين تمكنوا من مواجهة الوباء من خلال إنشاء منظومة صحّيّة ومتطوّرة خاصّة بهم، وذمّ السكّان المحلّيّين، وبلدية حيفا. ليس ذلك وحسب، بل اختار أليكس كرمل الكتابة عن المجتمع المحلّيّ وبلدية حيفا بشكل هامشيّ، وذلك على الرغم من مساهمات البلدية في تطوير المدينة وتحسين ظروف الصحّة العامّة. هذا النقص في المصادر المحلّيّة التي تنقل لنا صوت المجتمع الحيفاويّ، وعدم توفّر أرشيف بلديّة حيفا خلال تلك الفترة أدّى إلى تغييب دور المجتمع في التاريخ الفلسطينيّ خلال فترة انتشار الأوبئة، ممّا فتح المجال أمام الرواية التاريخيّة الاستشراقيّة. لم يكتفِ محمود بالحديث عن مدينة حيفا كمثال للأهمّيّة التي أولاها المجتمع المحلّيّ للصحّة العامّة، بل تحدّث عن مدينة طبريا كذلك، والتي ما زال أرشيفها متوفّرًا لنا حتّى اليوم. في الأرشيف تُلحظ عناية بجوانب الصحّة العامّة، الأمر الذي يعكس دور الإدارة المحلّيّة في الرقابة على وسائل الصحّة العامّة وتوفيرها للسكّان، ويدلل على دور المجتمع المحلّيّ وتطوّره في مجالات الصحّة العامّة المختلفة. 

أنهى محمود محاضرته بالحديث عن تبلور اهتمام المجتمع الفلسطينيّ بالصحّة العامّة والتفات إيجابيّ لأوساط عدّة منه لموضوع التوثيق، لا سيّما تاريخ الأوبئة الفلسطينيّ وتاريخ الأمراض في أعقاب انتشار فيروس كورونا. بالإضافة إلى ذلك نشأت عدّة مبادرات في فترة كورونا التي عَنَت بكتابة اليوميّات نتيجة للتباعد الاجتماعيّ والحجر الصحيّ، وهو ما يشكّل مادّة تاريخيّة ثريّة للمستقبل، وتوثيقًا للمجتمع الفلسطينيّ. ختم محمود بقوله أنّه لا يمكن فصل تاريخ الأمراض وتاريخ الصحّة في فلسطين عن باقي جوانب التاريخ الفلسطينيّ، وأنّه لا ينبغي أن تقتصر دارسة هذا الجانب والاهتمام فيه فقط في فترات انتشار الأوبئة، أيّ أنّ اهتمامنا فيه لا ينبغي أن يكون ردّ فعل وإنّما فعل في سياق الكتابة التاريخيّة.