أقرّت الحكومة، في مستهَلّ شهر آب، ميزانيّة الدولة للعام 2021 بقيمة 432.5 مليار شيكل، وميزانيّة العام 2022 بقيمة 452.5 مليار شيكل، بعد أن تعذّر إقرارها ثلاثة أعوام متتالية.

تتناول هذه الورقة تأثير الميزانيّة الجديدة على فرص تطوير وتنمية الاقتصاد العربيّ، وتدّعي أنّ مشروع الميزانيّة -على الرغم من الوعود بتخصيص ميزانيّات كبيرة للمجتمع العربيّ في السنوات الخمس القادمة- لا يحمل تغييرًا حقيقيًّا في السياسات الاقتصاديّة المعمول بها تجاه المجتمع العربيّ في العَقد الأخير، وأنّه علاوة على هذا ليس ثمّة خطط اقتصاديّة تُسهم في تحقيق تطوير وتنمية مستدامة للاقتصاد العربيّ. ومن معاينة بنود الميزانيّة الجديدة، يظهر أنّها استمرار لسياسات الحكومات الإسرائيليّة السابقة في تعويض السلطات المحلّيّة العربيّة عن ميزانيّات كانت محرومة منها في السابق. هذه المبالغ مُعَدّة أصلًا للمصروفات العامّة في ميزانيّة السلطة المحلّيّة الاعتياديّة. إلى جانب ذلك، يظهر أنّ الميزانيّات ضُخَّت في بنود لا تؤدّي إلى تنمية اقتصاديّة مستدامة، أو إلى إحداث تغيير بنيويّ حقيقيّ في الاقتصاد العربيّ. فضلًا عن هذا، ثمّة شكوك جِدّيّة بشأن توفير وتخصيص الميزانيّات التي وُعِد بها المجتمع العربيّ ضمن الاتّفاق مع القائمة العربيّة الموحّدة لدى انضمامها إلى تحالف بِنِتْ-لَـﭘـيـد، على غرار التنفيذ الجزئيّ للخطّة الاقتصاديّة 922.

لقراءة الورقة بصيغة PDF

لقراءة الورقة باللغة العبرية بصيغة PDF

للسنة السابعة على التوالي، بمثابرة وتصميم نظّم مركز مدى الكرمل مؤتمره السابع لطلبة الدكتوراه الفلسطينيّين، في فندق رمادا أوليڤييه في الناصرة، مع بثّ مباشر لجمهور مدى الكرمل على صفحته في الفيسبوك. بمرور الوقت، تحوَّلَ هذا المؤتمر إلى “محطّة معرفيّة، ثقافيّة وتفاعليّة وتداوليّة، يلتقي فيها طلّاب فلسطين للدراسات العليا في الناصرة، بدون حدود، ولا حواجز”، كما وضّح الدكتور مهنّد مصطفى (المدير العامّ لمدى الكرمل)، في افتتاحيّته للمؤتمر. وأضاف مصطفى أنّ “المعرفة ومشاركتها وتداولها هي تأكيد على مقولة أنّ الحقل الثقافيّ أصبح -ومن شأنه أن يكونَ- الحقل الذي يُوحّد فلسطين وشعبها، بإرادتهم، أكثر من الحقل السياسيّ، الذي توحّدهم فيه إسرائيل في أحيان رغمًا عنهم”. وشدّد د. مصطفى على أنّ “المعرفة ليست من أجل المعرفة، أي من أجل فهم الظواهر السياسيّة والاجتماعيّة والاقتصاديّة وَحسب، وإنّما المعرفة هي أيضًا حقّ وهي من أجل الحقّ، أي العدل والحاجة إلى محاربة الاستبداد في كلّ أشكاله الاجتماعيّة والسياسيّة والاقتصاديّة”.

تضمَّنَ المؤتمر جلستين اثنتين، أدارت الأولى منهما د. أريج صبّاغخوري (محاضِرة في قسم علم الاجتماع وعلم الإنسان – الجامعة العبريّة، وعضوة لجنة الأبحاث والهيئة الإداريّة في مدى الكرمل)، وكان عنوانها “مقارَبات سياسيّة وتاريخيّة”. اشتملت هذه الجلسة على ثلاث مُداخلات. في المداخلة الأولى، عرضت أسماء الشرباتي، الطالبة لنَيْل درجة الدكتوراة في برنامج الدكتوراة للعلوم الاجتماعيّة – جامعة بير زيت، بحثًا بعنوان “كيف يُمَثَّل الفلسطينيّ في الكتب المدرسيّة الوطنيّة؟”. سلّطت الشرباتي الضوء على الكتاب المدرسيّ ككتاب سياسيّ، يُمارِس دَوْرَه في إيصال رسائل ضمنيّة تحمل برامج سياسيّة تُعبِّر عن أَجِنْدات النُّخَب الوطنيّة التي أشرفت على تشكيل مفاهيمه، من خلال التوقُّف عند أشكال تمثيل الكتاب المدرسيّ لفئات المجتمع الفلسطينيّ، وفاعليّتها المتفاوِتة تبعًا لاختلاف أماكن سكنها: في المدينة والقرية والمخيّم والبادية، وفي الشتات. بيّنت شرباتي الاستشراق الداخليّ في الكتاب المدرسيّ، من خلال الحديث عن بعض الفئات (البدو؛ اللاجئين؛ سكّان المخيّمات؛ الشتات) كآخرين منفصلين عن الشعب الفلسطينيّ، وإقصائهم من خلال استخدام صيغة الضمير الغائب، إضافةً إلى حصر فلسطين والتمثيل المؤسَّساتيّ للفلسطينيّ في الضفّة الغربيّة وغزّة فقط. واستحضرت شرباتي في هذا الصدد اتّفاقيّة أوسلو وتقسيم المناطق الجغرافيّة إلى “أ” – “ب” – “ج”. وأشارت شرباتي إلى التعامل مع تحدّيات المدينة والقرية الفلسطينيّة بمفاهيم شبيهة بتلك التحدّيات التي تعاني منها مدن وقرى في أيّ مكان آخر في العالم، دون ربطها بالاحتلال، مع بروز سياسة القبول بالأمر الواقع التي تَكُون فيها المقاومة ضمن المسموح والمقبول فقط. اختتامًا، ادّعت شرباتي أنّ السلطة تعيد إنتاج ذاتها وترسيخ هيمنتها من خلال تضمين أيديولوجيّاتها، وخطابات الخضوع والخنوع في الكتاب المدرسيّ.

أمّا البحث الثاني، الذي جاء بعنوان “صناعة “ابن الحزب” في المنظومة التربويّة لحركة الشبيبة الشيوعيّة في إسرائيل”، فقد كان للطالب عماد جرايسي، وهوَ طالب لنَيْل درجة الدكتوراة في كلّيّة التربية – جامعة حيفا. ناقش جرايسي سيرورة “صناعة” وصقل الهُويّة من خلال الحركات الشبابيّة الأيدولوجيّة الناشطة بين أبناء الشبيبة الفلسطينيّين في إسرائيل. وتناوَلَ في مداخلته العلاقةَ المتبادلة والمتداخلة بين حقلَيِ التربية والتعليم والسياسة، ودَوْرها في سَبْك هُويّة أبناء الشبيبة، وعلى وجه التحديد في المجتمعات التي تشهد تأزُّمًا بين مجموعة الأقلّيّة ومجموعة الأغلبيّة. يدّعي جرايسي أنّ الحركات الشبابيّة الأيديولوجيّة تُسهم في صناعة “ابن الحزب”، أي صناعة نُخَب حزبيّة، لا تتعدّى الحزب، من خلال ممارسة العمل السياسيّ الحزبيّ في الحركة. وكشف جرايسي عن أحد تبصُّرات بحثه، وهو صناعة هُويّة جديدة هي بمثابة هُويّة “جَنينيّة” قَيْد النموّ والإنشاء، تُسمَّى الهُويّة “الفلسطينيّة – الإسرائيليّة”، تدمج بين الهُويّة القوميّة وهُويّة المواطَنة، حيث تمنع -من جهة- التقوقع في القوميّ والثقافيّ بهدف الاندماج في المجتمع الإسرائيليّ (لا بمفهوم الانصهار)، بينما تحافظ -من جهة أخرى- على الهُويّة الجمعيّة للمركّبات الفلسطينيّة على الرغم من كلّ التحدّيات التي يمرّ فيها الفلسطينيّ في إسرائيل.

وجاء البحث الثالث والأخير لهذه الجلسة بعنوان “ولادة الذات المهرَّبة: الحيوانات المنويّة والتفاوض على المستقبل في فلسطين /إسرائيل“، عرَضَهُ الباحث عزّ الدين أعرج، الطالب لنَيْل درجة الدكتوراة في الأنثروﭘـولوجيا – معهد الدراسات العليا – جنيف – سويسرا. تطرّق أعرج في نقاشه إلى تجربة النُّطَف المهرَّبة من داخل السجون الإسرائيليّة في السنوات التسع الأخيرة من وجهة نظر زوجات الأسرى، والمعاني المعقَّدة والمتشابكة، بين الاجتماعيّ والسياسيّ الاستعماريّ والقوميّ والدينيّ، التي تكتسبها هذه الممارَسة في واقعٍ مركَّب من اللايَقِين والعزلة والحرمان الأُسَريّ. ويوضّح أعرج أنّ النساء تُحاولنَ، من ناحية، التأكيد على فعّاليّتهنّ من خلال إثبات أنّهنّ مُخْلصات بشأن ما يحدث للجماعة الفلسطينيّة، ومن ناحية أخرى، يؤكّدنَ على حقّهنّ في المطالَبة بحياة اجتماعيّة أفضل، وبتحسين أوضاعهنّ الاجتماعيّة والمعيشيّة، وبالتفاوض على الأعراف المجتمعيّة ومقاومتها. ووضّح كذلك كيفَ يتحوّل الإنجاب في هذه الحالة إلى مساحة للتفاوض بشأن المستقبل والممكن والشرعيّ، وإلى مَسعًى من أجل الاعتراف والتعافي والحفاظ على العائلة؛ إذ تتحدّث النساء عن المستقبل بصيغة الحاضر، وفي هذا نوع من الهيمنة المضادّة، أي التأكيد على القدرة على إعادة تعريف المستقبل، وإعادة تعريف الممكن وما هو محتمل. ويجادل أعرج طارحًا أنّ سياسات الإنجاب في الواقع اليوميّ للفلسطينيّ لا تتعلّق بإدارة الحياة نفسها فحسب، وإنّما تتعلّق كذلك بإدارة ما يمكن أن يكون حياةً أو صراعًا أو تفاوضًا على المستقبل.  

جاءت الجلسة الثانية تحت عنوان “مُقارَبات لغويّة وتعليميّة” أدارتها د. حنين قرواني خوري، الـمُحاضِرة والباحثة في قسم اضطرابات التواصل في كلّيّة علوم الرفاه والصحّة – جامعة حيفا. خلال هذه الجلسة، قُدِّمت ثلاث مداخَلات، كانت الأولى من بينها لمنى عبد الرازق، الطالبة لنَيْل درجة الدكتوراة في اللسانيّات في قسم الأدب الإنـﭼـليزيّ وعلم اللسانيّات – جامعة بار إيلان. ركّزت عبد الرازق في مداخلتها “توثيق المهارات اللغويّة لدى الأطفال الفلسطينيّين الناطقين بالعربيّة المشخَّصين على طيف التوحُّد” على المقارنة بين المهارات اللغويّة (الصرفيّة – النحويّة والصوتيّة) لدى أطفال طيف التوحُّد والأطفال ذوي التطوُّر الطبيعيّ متحدّثي اللغة العربيّة – الفلسطينيّة، في محاولة لتشخيصٍ أدقّ للعسر اللغويّ لدى الأطفال المشخَّصين مع طيف التوحُّد، وبالتالي ملاءَمة طُرُق العلاج. أظهرَ بحث عبد الرازق ضعفًا ملحوظًا لدى أطفال طيف التوحُّد في تنفيذ المهَمّات اللغويّة، مقارنةً بأقرانهم من مجموعة الأطفال ذوي التطوُّر الطبيعيّ. إضافة الى هذا، ظهرت اختلافات فرديّة داخل مجموعة أطفال طيف التوحُّد نفسها. في نهاية مداخلتها، نصحت عبد الرازق بضرورة بناء خطط علاجيّة تشمل تطوير المهارات الصرفيّة – النحويّة كهدف رئيسيّ، بالتوازي مع تطوير مهارات التواصل والمهارات الاجتماعيّة. 

قَدّمت المداخلةَ الثانية، التي جاءت تحت عنوان “ازدواجيّة اللغة وبرامج التدخُّل لدى أطفال الروضة العرب”، لينا حاجّ، الطالبة لنَيْل درجة الدكتوراة في اللسانيّات في قسم الأدب الإنـﭼـليزيّ وعلم اللسانيّات – جامعة بار إيلان، وسلّطت من خلالها الضوء على أهمّيّة برامج التداخل المبنيّة في تنمية المهارات اللغويّة، والوعي اللغويّ، والتنوُّر اللغويّ والقدرات الإدراكيّة في سياق ازدواجيّة اللغة العربيّة [اللغة المحكيّة المستعمَلة في الحديث اليوميّ، واللغة المعياريّة المستعمَلة في الكتابة والقراءة] لدى أطفال الروضة العرب. يدمج برنامج التدخّل بين القدرات اللغويّة والميثا_لغويّة والقدرات الإدراكيّة، وبالأخصّ الوظائف التنفيذيّة التي تشمل: الذاكرة؛ الانتباه؛ التخطيط؛ المرونة الفكريّة. بيّنت نتائج بحث عبد الرازق نجاعة برامج التدخّل في تحسين أداء الأطفال في عمليّتَيِ القراءة والتعلُّم، وأثبتت تأثير عاملَيِ المجموعة والزمن على الوعي الصوتيّ لدى الطلبة، والوعي الصرفيّ، والمهارات اللغويّة، ومهارات القراءة والكتابة، والمهارات الإدراكيّة، بحيث إنّ أداء مجموعة التدخّل كان أعلى من غيرها، كما كان أداء الطلبة بعد التدخّل أفضل من أدائهم قبل التدخّل.

المداخلة الأخيرة في الجلسة والمؤتمر كانت للطالبة لنَيْل درجة الدكتوراة في كلّيّة التربية – جامعة حيفا، تغريد زعبي، وحملت العنوان “تأثير ترجمة الامتحان السيكومتريّ على مدى نجاح الطلبة العرب مقارنة بالطلبة اليهود“. استعرضت زُعبي المتغيّرات الثقافيّة وثُنائيّة اللغة التي تعترض نجاح الطلبة العرب في الامتحان السيكومتريّ، مقارَنةً بالطلبة اليهود، وذلك من خلال فحص مستوى تمكُّن الطلبة من الفصل الكلاميّ في الامتحان السيكومتريّ، وعلى وجه الخصوص فحص ما إذا كانت ترجمة النصّ من اللغة العبريّة هي العامل الإشكاليّ الرئيسيّ الذي يُعيق نجاح الممتحَنين العرب في الفصل الكلاميّ من الامتحان أَم لا. ادّعت زعبي أنّ الامتحان يترجَم شفاهيًّا فقط لا ثقافيًّا، وعدّدت العوامل التي قد تُسبّب الفجوات التحصيليّة بين الطلبة اليهود والطلبة العرب في امتحان السيكومتريّ، بالإضافة إلى تلك الديـمـﭼرافيّة: ازدواجيّة اللغة العربيّة بين عامّيّة منطوقة وفصحى مكتوبة، فضلًا عن الاختلاف بين اللغة العربيّة الكلاسيكيّة وتلك الحديثة، وظاهرة تبديل اللغة بين العربيّة والعبريّة، علاوةً على الإشكاليّات الناتجة عن ترجمة النصّ من لغة إلى لغة، بما في ذلك الحذف، والإضافات، والأخطاء، والـمَيْل إلى الترجمة الحرفيّة. 

لمشاهدة الجلسة الأولى، اضغط هنا.

لمشاهدة الجلسة الثانية، اضغط هنا.

 

بدأت رحلة تعديل قانون المواطَنة (أمر مؤقّت) عام 2002، في قرار الحكومة رقم 1813 الذي رمى إلى معالَجة “الماكثين غير القانونيّين في الدولة، وسياسة لـَمّ الشمل في ما يتعلّق بمواطني السلطة الفلسطينيّة، وأجانب من أصل فلسطينيّ”. في الـ 31 من تمّوز عام 2003، صادق الكنيست على تعديل “قانون الجنسيّة والدخول إلى إسرائيل (أمر مؤقّت)- 2003“. منذ ذلك التاريخ، استمرّ تمديد سَرَيان مفعول القانون وتعديله حتّى العام الحاليّ. فَشَلُ تمديد قانون منع لـَمّ شمل العائلات الفلسطينيّة يحمل دلالاتٍ سياسيّةً عديدة بشأن حالة الائتلاف الحكوميّ وسلوك مركّباته المستقبليّ. إلى جانب ذلك، سلّط هذا الفشل الضوء على مركزيّة الهدف الديـمــﭼـــرافيّ للقانون، كما تُناقش هذه الورقة.

لقراءة الورقة بصيغة PDF

لقراءة الورقة باللغة العبرية بصيغة PDF

يعكف مدى الكرمل – المركز العربيّ للدراسات الاجتماعيّة التطبيقيّة على التحضير -للسنة السابعة على التوالي- لمؤتمر طلبة الدكتوراه الفلسطينيّين للعام 2021. سيُعْقَد المؤتمر يوم السبت الـ 31 من تمّوز الجاري (2021) في فندق رمادا أوليڤييه – الناصرة، الساعة العاشرة والنصف صباحًا، وسيُنقَل ببثّ مباشر على صفحة مدى الكرمل في الفيسبوك أيضًا. 

هذا المؤتمر واحد من أنشطة عدّة يقيمها المركز ضمن برنامجه لدعم طلبة الدراسات العليا، وهو برنامج يهدف إلى احتضانِ طلبة الدراسات العليا الفلسطينيّين، وتقديمِ الدعم والنصح لهم من قِبل كبار المحاضِرين والمحاضِرات الفلسطينيّين، وتوفيرِ فضاء يُمْكنهم فيه مناقشة دراساتهم والتعبير عن آرائهم وأفكارهم بحرّيّة. وقد داوم المركز على عَقْد مؤتمر طلبة الدكتوراه الفلسطينيّين سنويًّا، مدفوعًا بما حقّقه من نجاح في مرّات سابقة. يَسعى المؤتمر ليكون منصّة لتقديم أبحاث طلبة الدكتوراه الفلسطينيّين، ويرمي إلى إتاحة الفرصة أمامهم للعرض بِلغتهم الأمّ، وللتواصل وتبادل الخبرات في ما بينهم. 

يمتدّ المؤتمر من العاشرة والنصف صباحًا حتّى الثانية والنصف ظهرًا، ويشمل جلستين اثنتين: جلسة “مقارَبات سياسيّة وتاريخيّة”، وجلسة “مقارَبات لغويّة وتعليميّة”، وكلمة افتتاحيّة يُلقيها المدير العامّ للمركز د. مهنّد مصطفى. خلال هاتين الجلستين، سوف يطرح المشاركون دراساتهم في مرحلة الدكتوراه في مواضيع سياسيّة واجتماعيّة وتعليميّة متنوّعة (وهُمْ ثمانٍ من الباحثات والباحثين الفلسطينيّين في بداية طريقهم الأكاديميّ والبحثيّ)، وهي دراسات تُناقش قضايا تُقلِق الباحث الفلسطينيّ، وتتناول الهمّ الشعبيّ والاجتماعيّ الفلسطينيّ.

لقراءة البرنامج بصيغة PDF، اضغط هنا.

عقدَ مركز مدى الكرمل، بالتعاون مع جمعيّة الثقافة العربيّة، أمسيّة ثقافيّة لمناقشة الإنتاج الفكريّ للمفكّر والمؤرّخ التونسيّ الراحل هشام جعيّط (1935 – 2021)، في مقرّ جمعيّة الثقافة العربيّة في حيفا، وبُثَّت بثًّا مباشرًا على صفحة مدى الكرمل في الفيسبوك. رحل هشام جعيّط في الأوّل من حزيران المنصرم (2021)، بعد مسيرة فكريّة حافلة بالإنجازات، وجاءت هذه الأمسيّة تكريمًا له، واحتفاءً بأعماله وبإنتاجاته الفكريّة وإسهامه للمشهدَيْن الثقافيّ والحضاريّ العربيّين والإسلاميّين.

افتتح الندوةَ وأدارها د. جوني منصور، المؤرّخ والـمُحاضر في كلّيّة أورانيم، بتقديم لشخص هشام جعيّط المفكّر والباحث والدارس في مجال الدين والدولة في العصور الإسلاميّة، ولا سيّما القرن الأوّل الهجريّ. ورحّب بالمتحدّثين والضيوف والمتابعين على منصّات التواصل الاجتماعيّ. 

في المداخلة الأولى “هشام جعيّط والتفكير في السياسة في التاريخ الإسلاميّ”، تطرّق الدكتور مهنّد مصطفى (المدير العامّ لمدى الكرمل، ورئيس قسم التاريخ في المعهد الأكاديميّ العربيّ – بيت بيرل) إلى كتاب جعيّط “الفتنة: جدليّة الدينيّ والسياسيّ”، حيث عَرَضَ أهمّ مقولات الكتاب وناقشها. من هذه المقولات ما كان لحدث الفتنة من دَوْر في توسيع المجال السياسيّ في التاريخ الإسلاميّ، ودَوْرها في تطوير الفكر السياسيّ الإسلاميّ، إذ إنّ الفتنة كانت ثورةً مهمّة في التاريخ الإسلاميّ أسهمت في تنزيل التاريخ الإسلاميّ من لحظته المتعالية إلى واقع الصراع السياسيّ. واعتبر مصطفى أنّ جعيّط يقدّم قراءة تاريخيّة عقلانيّة لتاريخ الفتنة وتطوُّرها في التاريخ الإسلاميّ، بعيدًا عن التبسيطيّة الاستشراقيّة وعن الوعظيّة في قراءة التاريخ، بل حاول فهم الشخوص ومَطالبهم ومَصالحهم بصورة إنسانيّة، أي أسهم من خلال كتابه في أَنْسَنة التاريخ الإسلاميّ بقراءة تاريخانيّة عقلانيّة من باحث يرى أنّه ينتمي للهُويّة العربيّة والإسلاميّة.

في مداخلة حملت العنوان “قراءة في فكر هشام جعيّط”، وضّح الأستاذ شمس الدين الكيلاني (الباحث في المركز العربيّ للأبحاث ودراسة السياسات -الدوحة) أنّ هشام جعيّط ينتمي إلى الجيل الثالث من المؤرّخين العرب المعاصرين، الذين اهتمّوا بالثقافة وبالمفاهيم التي تحكم المجتمع، وعلاقة هذا بالمجتمع والتصاقه بأصوله الاجتماعيّة والتاريخيّة. اهتمّ جعيّط -شأنه في ذلك شأن أبناء هذا الجيل- بالبحث عن مشروع للتقدّم العربيّ الحداثيّ لكن عبْر المرور بنقدٍ وتمحيص للتاريخ والتراث. 

يبيّن الكيلاني أنّ اهتمام جعيّط انصبّ على الإسلام التأسيسيّ واللحظة التأسيسيّة للدين الإسلاميّ. وأضاف أنّ قضيّة الأنا والآخر (الذات والآخر) أشغلت جعيّط كذلك، وانعكس الأمر في انغماسه بالتفكير في التاريخ القديم والتاريخ العربيّ، ودَوْر الدين الحاضر بقوّة فيه. في الوقت نفسه، اتّجه فكره دائمًا نحوَ الحداثة، وقد راهن جعيّط في تفكيره على إمكانيّة التوفيق بين الحداثة والدين الإسلاميّ، وتميّزت نظرته إلى الثقافة العربيّة باتّجاهها نحوَ الحداثة واعتناقها على نحوٍ كامل، والتفكير فيها بطريقة جدّيّة، ذكيّة، واعية وشجاعة، ودعا العرب للدخول فيها من موقع قوّة واقتدار، وفي الوقت ذاته بأخلاقيّة وعزّة. في الجزء الثاني من المداخلة، أَوجزَ الكيلاني بعضًا من الأفكار الرئيسيّة التي وردت في خمسة من كتب الراحل هشام جعيّط: “الفتنة: جدليّة الدين والسياسة في الإسلام المبكّر”؛ “الكوفة: نشأة المدينة العربيّة الإسلاميّة”؛ “أزمة الثقافة الإسلاميّة”؛ “الشخصيّة العربيّة الإسلاميّة والمصير العربيّ”؛ “في السيرة النبويّة”. 

في المداخلة الثالثة، تحدّث د. حسني مليطات (الباحث والمترجم والحاصل على درجة الدكتوراه من جامعة الأوتونوما في مدريد، من برنامج دراسات الفنّ والأدب والثقافة) عن “فكرة التاريخ في أعمال هشام جعيّط”. يصف د. مليطات أسلوب جعيّط قائلًا: “نجده قد اتّخذ أسلوبًا خاصًّا به يقوم على “كتابة ما تمّ إدراكه” من “الحقائق التاريخيّة” التي اهتمّت بدراسة هذا الموضوع. وفعْل الكتابة الإدراكيّة يوضّح للمتلقّي مدى قدرة المؤرّخ المفكّر، هشام جعيّط، على خلق خطاب تاريخيّ خاصّ به، يفصّل فيه وجهة نظره بعيدًا عن الالتزام القطعيّ بــِ “المرْويّات التاريخيّة” وأقوال الثقاة، وإنّما ببناء رأي وتأسيس منهج خاصّ به”. ويضيف مليطات أنّ في هذا إشارة إلى قدرة المؤرّخ المفكّر، هشام جعيّط، على “التفكير في الحدث التاريخيّ”، وإدراك “الحقيقة التاريخيّة”، وجعل التاريخ عبارة عن “تفكير”، يحتاج المؤرّخ إلى درايته بتأنٍّ كي يكون قادرًا على إعادة قراءته ومحاكاته بما يتوافق مع رؤيته، إذ يرى التاريخَ العلْمَ الذي يحرّك العقل ويحتاج إلى قدرة على فهم مضامينه.

لمشاهدة الندوة، اضغط هنا.

عُقِد يوم السبت الفائت (3/7/2021) يوم دراسيّ بعنوان “الجندر والدين والدولة: قضايا الأحوال الشخصيّة والنضال النسويّ الفلسطينيّ”، في فندق ليـﭼـاسي في الناصرة. جاء اليوم الدراسيّ ثمرة للتعاون بين برنامج الدراسات النسويّة في مدى الكرمل – المركز العربيّ للأبحاث الاجتماعيّة في حيفا، ولجنة العمل للمساواة في قضايا الأحوال الشخصيّة، وجمعيّة “كيان – تنظيم نسويّ”.

تناول اليوم الدراسيّ النضالات في قضايا الأحوال الشخصيّة في ثلاث جلسات تخلّلتها عروضٌ لأبحاث أكاديميّة، وتعقيباتٌ جمعت بين المراجَعات الأكاديميّة والنقاشات النسويّة، وذلك في محاولة لفهم السياسات الإسرائيليّة المتعلّقة بالمواطنين الفلسطينيّين حول الدين والدولة والجندر، والسياسات الداخليّة التي تمارسها المؤسّسات الدينيّة والحزبيّة والمجتمعيّة، وفي سبيل تحقيق فهم أوسع وتفكير مستقبليّ بالعمل النسويّ في هذه القضايا.

تولّت عرافةَ اليوم الدراسيّ السيّدة مقبولة نصّار، التي كانت أوّل مركّزة للجنة العمل للمساواة في قضايا الأحوال الشخصيّة، فأكّدت على أهمّيّة عَقْد هذا اليوم، مشيرة إلى أنّ النضال النسويّ في قضايا الأحوال الشخصيّة بدأ قبل أكثر من خمسة وعشرين عامًا، وأنّه كان نضالًا جريئًا وأضاف للعمل النسويّ الكثيرَ وأوصله إلى إنجازات مهمّة. افتَتحت الكلماتِ البروفسورةُ نادرة شلهوب كيـڤـوركيان (رئيسة الهيئة الإداريّة لمدى الكرمل)، مرحِّبة بالحضور، مشيرة إلى أنّ سؤال الدين والدولة والجندر هو سؤال محوريّ فكريًّا، وبخاصّة في ظلّ دولة استعماريّة استيطانيّة ، مضيفة أنّ النظر للنضال النسويّ في قضايا الأحوال الشخصيّة ولكتاب الأستاذ الدكتور ميخائيل كَرَيَنّي حول “فخّ التعدّديّة: الدين والدولة والعرب الفلسطينيّون في إسرائيل” يضيفان رؤية نقديّة فكريّة في طرحنا وعملنا كنسويّات في هذه القضايا، ولا سيّما أنّ القضيّة مرتبطة بهُويّتنا وواقعنا.

خُصّصت الجلسة الأولى من اليوم الدراسيّ، التي أدارتها المحامية نسرين عليمي (عضوة لجنة العمل للمساواة في قضايا الأحوال الشخصيّة)، لمناقشة كتاب “فخّ التعدُّديّة: الدين والدولة والعرب الفلسطينيّون في إسرائيل”، وهو من تأليف الـﭘـروفيسور ميخائيل كَرَيَنّي الـمُحاضِر في كلّيّة القانون في الجامعة العبريّة والعميد السابق للكلّيّة. أشارت عليمي إلى انشغال الكاتب بهذه القضيّة منذ سنوات طويلة، وإلى أهمّيّة الكتاب في طرحه تعامل إسرائيل مع الدين والدولة كقضيّة يهوديّة فقط وتهميش مسألة الدين لدى العرب. وفي مداخلة قدّمها الدكتور مهنّد مصطفى (المدير العامّ لمدى الكرمل)، أشار إلى أهمّيّة الكتاب قائلًا إنّ الكاتب ينتقد مقاربة التعدُّديّة الثقافيّة في السياق الإسرائيليّ، مُمَوْضِعًا نفسه في المنظومة الفكريّة الليبراليّة ومنطلِقًا منها. وتطرّق مصطفى في مداخلته إلى مسألتين مترابطتين جرى التعامل معهما في الكتاب: التعدُّديّة الثقافيّة ونقدها، والدين والعلمانيّة. مشيرا الى انه بخلاف النقد التقليديّ لمنظومة إسرائيل للتعدُّديّة الثقافيّة كخرق للحرّيّات الفرديّة وتغييب هُويّة فرديّة مقابل قيود المجموعة، فإنّ نقد التعدّديّة الثقافيّة في إسرائيل يفرغها تماما من مضمونها ويظهر زَيْفها. الكتاب يرى أنّ الفلسطينيّ هامشيّ في مسألة التسويات بين الدين والدولة، وأنّ ما يحرّك إسرائيل ليس التعدُّديّة الثقافيّة، بل الحفاظ على جوهرها اليهوديّ؛ فإسرائيل في جوهرها ونظامها السياسيّ الدستوريّ تُناقض التعدُّديّة التي من المفروض أن تقوم أصلًا على نزع طابع الدولة الإثنيّ (اليهوديّ في حالة إسرائيل). فضلًا عن هذا، التعدُّديّة في إسرائيل نتجت ضمن ميزان قوى غير متكافئ بين أغلبيّة مهيمنة وأقلّيّة فلسطينيّة ترى الدولةُ هُويّتَها تهديدًا.

 

أمّا الدكتورة سونيا بولس (المحاضِرة في القانون الدوليّ في جامعة نبريخا في مدريد)، فقد أشارت إلى أنّ الكتاب نجح إلى حدّ كبير في تفكيك الصورة الليبراليّة التي تتمتّع بها إسرائيل حتّى من قِبل منتقِديها سياسيًّا؛ إذ يُنظر إليها -في ما يتعلّق بالحرّيّات الشخصيّة وحقوق المرأة وحقوق مجتمع الميم- على أنّها دولة ليبراليّة. ورأت أنّ الكتاب يثبت أنّه في حالة الفلسطينيّين المنظومةُ أخطر بكثير؛ وذلك أنّها مقرونة بسياسة عدم تدخّل من الدولة، وكذلك بسبب تحييد الفلسطينيّين تمامًا من مناقشة الدين والدولة في إسرائيل. وأضافت بولس أنّ المساهمة الثانية للكتاب متعلّقة بالنقاش النظريّ حول التعدُّديّة الثقافيّة من خلال طرح شروط يجب أن تتوافر في أيّ منظومة كي تُدْرَج ضمن مسمّى التعدُّديّة الثقافيّة، حيث ينجح الكاتب في تفكيك توصيف نموذج الأحوال الشخصيّة المعمول به في إسرائيل كنموذج متعدّد الثقافات. ويظهر على نحوٍ واضحٍ التناقضُ والنفاق في مناقشة الأحوال الشخصيّة؛ فحين يكون النقاش الإسرائيليّ متعلّقًا بمنظومة الأحوال الشخصيّة لدى اليهود، توصَف بأنّها غير ليبراليّة وقمعيّة تجاه الأفراد، بينما حين توصَف منظومة الأحوال الشخصيّة لدى العرب فإنّ اللغة تختلف؛ إذ بدلًا من اتّهام هذه المنظومة بأنّها قمعيّة يتحوّل التوصيف إلى أنّها إيجابيّة تعكس تعدُّديّة ثقافيّة. المهمّ في الكتاب أنّه لا يكتفي بكشف النفاق، وإنّما أهمّيّة الكتاب في أنّه يقول إنّه لا يجوز أصلًا استخدام التعدُّديّة الثقافيّة لشرح المنظومة في إسرائيل، متناولًا فشل المنظومة الإسرائيليّة في استيفاء أيّ شرط من شروط المنظومة المتعدّدة الثقافات التي يفصّلها في الكتاب.

وفي تعقيب الـﭘـروفيسور ميخائيل على المداخلتَيْن، شكر القائمين على اليوم الدراسيّ والمتداخِلين/ات. بدأ مداخلته بتأكيده أنّه يرى أنّ المنظومة الـمُثلى هي “لا إكراه في الدين”، بحيث تكون لكلّ شخصٍ الحرّيّة في اختيار الدين أو العلمانيّة؛ وهو أمر غير ممكن -برأيه- في الأفق السياسيّ الحاليّ، ممّا استوجب منه أن يقدّم في الفصل السادس من الكتاب اقتراحات لتعديلات جزئيّة. ثمّ أشار أنّ مشروع الكتاب بدأ قبل عشرين عامًا، حين بدأ اهتمامه بسؤال لم يكن مطروحًا قَطّ: أين العرب في الأدبيّات الإسرائيليّة حين تُناقَش علاقة الدين بالدولة؟ لماذا يقتصر ذاك على المجموعة اليهوديّة؟ ولماذا حين يُكتَب عن القانون الدستوريّ الإسرائيليّ في قضيّة الدين والدولة يجري التعامل فقط مع الديانة اليهوديّة؟ ثمّ أضاف قائلًا إنّ اليهوديّة موجودة في دولة إسرائيل في الحيّز العامّ، لأنّ إسرائيل تستقي شَرْعَنة وجودها من يهوديّتها، بينما ينحصر الدين لدى العرب في الحيّز الخاصّ. الأدبيّات الإسرائيليّة ترى أنّ منظومة الأحوال الشخصيّة اليهوديّة والمحاكم الربّانوت اكراه مرفوض من منظور ليبراليّ، ولكن المنظور المزيّف نفسه يرى المحاكم الدينيّة الخاصّة بالعرب ضمن إطار التعدُّديّة. وأضاف أنّ كلّ نقاش حول العلمانيّة هو نقاش يتجاهل العرب تمامًا، وأنّه ثمّة قوانين دينيّة إشكاليّة مرتبطة باليهود أنفسهم وتاريخهم يجري فرضها على العرب (من بينها -على سبيل المثال- قانون التبنّي).

الجلسة الثانية أدارتها السيّدة رفاه عنبتاوي (مديرة جمعيّة “كيان – تنظيم نسويّ”، وعضوة لجنة العمل للمساواة في قضايا الأحوال الشخصيّة)، وقد افتتحتها من خلال التأكيد على أهمّيّة التعاطي مع سؤال الدين والدولة والجندر، ومشيرة إلى دَوْر الدكتورة عرين هوّاري في طرح هذه الأسئلة في الأُطُر النسويّة منذ سنوات عديدة، قبل أن تتعامل معها أكاديميًّا، وجاء بحثها مكمّلًا لسيرورة عمل طويلة خاضتها الأطر النسويّة واللجنة، وكانت هوّاري جزءًا لا يتجزّأ منها. في بداية الجلسة، عرضت الدكتورة عرين هوّاري (مديرة برنامج الدراسات النسويّة في مدى الكرمل) أحد فصول أطروحتها لنيل الدكتوراة الذي تناول السياسات النسويّة في قضايا الأحوال الشخصيّة. وقبل أن تتطرّق إلى نتائج بحثها، تناولت الدولةَ وعلاقتها بالدين والجندر في دولِ ما بعد الاستعمار في الشرق الأوسط، مشيرة إلى أثر تراث الاستعمار في ربط سؤال الجندر والدين بسؤال الاستعمار، وهو ما جعل النساء، في نضالهنّ للمساواة في قضايا الأحوال الشخصيّة، يشتبكن مع واقع يتّهم إيّاهنّ بالتواطؤ مع الغرب أمام قوانين تعتمد على تفسيرات فقهيّة معيّنة وعلى قوانين أوروبيّة، ولكنّها تدّعي القداسة، وهو ما جعل أحد أهمّ نجاحات النضال لتغييرها نزع ادّعاء القداسة عنها. وحول السياق الفلسطينيّ داخل الخطّ الأخضر، ادّعت أنّه إضافة إلى تراث الاستعمار تعاني النساء من واقع استعماريّ استيطانيّ ما زال قائمًا، ممّا يجعل أيّ نضال لتحقيق المساواة في قضايا الأحوال الشخصيّة -سواء اتّبع المرجعيّة العلمانيّة كلجنة العمل للمساواة في قضايا الأحوال الشخصيّة، أو التنظيم النسويّ “كيان”، أو المرجعيّة النسويّة الإسلاميّة كجمعيّة “نساء وآفاق”- عرضةً للهجوم وللاتّهام بالتواطؤ مع القِيَم الغربيّة ومع المشروع الصهيونيّ أو للتجاهل السلطويّ الاستعلائيّ، وهو ما يضع النساء بين خيار المساومة وخيار الصمت وخيار المواجَهة الدائمة. وأكّدت هوّاري على دَوْر الناشطات في تحفيز النقاش في هذه المواضيع، وعلى جرأتهنّ في خرق التابوهات حول قضايا الدين والجندر والدولة.

وفي تعقيب المحامية ألحان نحّاس داود (الخبيرة في مجال الأحوال الشخصيّة -وتعمل في القسم القانونيّ في جمعيّة “كيان”)، تناولت أثر التعديل الذي قامت به الأطر النسويّة لقانون العائلة، مشيرة إلى تحسُّن في المحاكم الشرعيّة من النواحي الإجرائيّة والنظاميّة، بدون تغيير القانون الذي يرتكز على القوانين الدينيّة، ومضيفة أنّ المحاكم ما زالت ذكوريّة؛ فوصايةُ الرجل على المرأة في كلّ القضايا ما زالت قائمة، وتعامُلُ المحاكم الدينيّة ما زال يميّز بينها وبين الرجل. وفي ما يخصّ الدولة، أشارت أنّ عدم تدخُّل الدولة هو في حدّ ذاته تدخُّل. فعلى سبيل المثال، المحكمة العليا لا تتدخّل إلّا بصورة نادرة، وتعطي المحاكم الدينيّة صلاحيات كبيرة. أمّا محاكم شؤون العائلة، فترتكز في كثير من قراراتها على القانون الدينيّ مثل قضايا النفقات، ممّا يشير إلى المنظومة المركَّبة والتداخل بين المدنيّ والدينيّ في الأحوال الشخصيّة. وأشارت كذلك إلى قضايا حارقة قامت “كيان” بالتوجّه بشأنها إلى المحاكم، مثل تعيين محكمّات في المحاكم الشرعيّة والرسوم الباهظة في المحاكم الكنسيّة. كذلك ركّزت نحّاس في مداخلتها على ضرورة رفع منسوب الوعي لدى النساء في سبيل تحصيل حقوقهنّ.

أمّا الباحثة بانة شغري (عضوة لجنة الأحوال الشخصيّة، وطالبة الدكتوراة في القانون)، فقد أكّدت موافقتها على طرح هوّاري، وأضافت إلى المحور الرئيسيّ الذي طرحته هوّاري -القائل بأنّ النضال النسويّ للفلسطينيّات محكوم بالتراث الاستعماريّ وبالذكوريّة المجتمعيّة وبالدولة الاستعماريّة- محورًا متعلّقًا بالصراعات الدينيّة اليهوديّة الداخليّة وبخاصّة صراع النسويّة الدينيّة الأرثوذكسيّة مع المنظومة الدينيّة اليهوديّة المهينة. واتّفقت مع ادّعاء الـﭘـروفيسور كَرَيَنّي أنّ الدين اليهوديّ هو الحيّز العامّ للدولة، وبالتالي أضافت أنّه يحكم حيّز العرب الدينيّ ويخفض من سقف التغيير الممكن، ممّا يجعل نضال النسويّات الفلسطينيّات في الأحوال الشخصيّة وقضايا الدين والدولة محكومًا بنضال اليهوديّات المتديّنات. وساقت مثالًا على ذلك، إذ ادّعت أنّ تأخير قرار تعيين قاضية في محاكم شرعيّة حتّى عام 2017 لا يمتّ للدين الإسلاميّ بِصِلة، بل له صلة بالنقاش الدينيّ اليهوديّ الداخليّ، أيْ مَرَدُّه إلى التخوّف من أن يؤثّر نجاح النساء المسلمات على اليهوديّات المتديّنات. وأضافت أنّه من الضروريّ أن نقوم بمحاربة فخّ أو زَيْف القناع الدينيّ أسوة بفخّ التعدُّديّة الثقافيّة، حيث يجري استخدام الدين كذريعة للقمع الذكوريّ للنساء، ويُساء استخدام المحاكم الدينيّة لسلب الحقوق التي يمنحها الدين للنساء مثل ما في قضايا الميراث. وفي إجمالها، أكّدت أنّه قد آن الأوان لمشاركة الرجال غير الذكوريّين في نضالنا النسويّ لنتصوّر ونخلق معًا المجتمع الذي نريد أن نعيش فيه.

أمّا الجلسة الأخيرة، التي أدارتها السيّدة نائلة عوّاد (مديرة جمعيّة نساء ضدّ العنف، وعضوة لجنة العمل للمساواة في قضايا الأحوال الشخصيّة)، فخُصّصت لمناقشة القضايا والأبحاث التي طُرِحت، وللتفكير المشترك في آفاق العمل. شكرت خلالها عوّاد القيّمين على عَقْد اليوم الدراسيّ، وجميعَ المتحدّثين والمتحدّثات، وأكّدت على أهمّيّة النضال النسويّ الذي بدأ منذ أكثر من خمسة وعشرين عامًا، والذي رفع سقف الخطاب في قضايا الأحوال الشخصيّة وقضايا أخرى، والذي ما زالت القوى الأصوليّة تحاربه. وأكّدت على أهمّيّة استمرار النضال، وعلى ضرورة رفع السقف والوقوف أمام تحدّي إقامة نظامِ أحوال شخصيّة مدنيٍّ. وخلال النقاش، طَرحت كثيرات من المشارِكات أسئلة، من بينها أسئلة سياسيّة عن أساليب النضال النسويّ وتحدّياته، وأخرى أسئلة قانونيّة بشأن مسارات العمل داخل المحاكم في قضايا الأحوال الشخصيّة. واتُّفِق في نهاية اليوم على الاستمرار في العمل، وإقامة يوم دراسيّ آخَر بعد بضعة شهور.

لمشاهدة الجلسة الاولى أضغط هنا.

لمشاهدة الجلسة الثانية أضغط هنا.