استطاعت الحكومات، بتبنّيها سياسات السوق الحرّ والسياسات النيوليبراليّة في معظم دول العالم، أن تعزل العمل السياسيّ عن الاقتصاديّ، واستطاعت أن تتنصّل من مسؤوليّاتها تجاه مواطنيها، ولا سيّما الأقلّيّات الضعيفة. ولعلّ أخطر تأثيرات السياسات النيوليبراليّة ليست الأزمة الاقتصاديّة التي تسبّبت فيها، وإنّما الأزمة السياسيّة. تبنّى اليمين في إسرائيل سياسات نيوليبراليّة اقتصاديّة أسهمت في تحسين مكانة الدولة اقتصاديًّا في العقود الأخيرة، وساعده في ذلك تخلّي اليسار الإسرائيليّ عن مفاهيم اليسار من الناحية الاقتصاديّة منذ منتصف الثمانينيّات. ولتحسين مكانة دولة إسرائيل اقتصاديًّا، أقرّت حكومات اليمين النيوليبراليّة سياسات لدمج الفلسطينيّ في السوق النيوليبراليّ كفرد، ممّا عظّم فكرة الإنجاز والتميُّز الشخصيّ، في مقابل تعزيز الطابع الجماعيّ الإثنيّ – الدينيّ للمجموعة اليهوديّة، والذي جرى التعبير عنه مؤخّرًا بقانون القوميّة. من هذا المنطلق، يرغب مدى الكرمل في الوصول إلى فهم أعمق لانعكاسات السياسات النيوليبراليّة، ولا سيّما الاقتصاديّة منها، على حياة الفلسطينيّين من خلال طرق محاور مختلفة.

تُعتبر الولايات المتّحدة الأمريكيّة الراعي الرئيسيّ لعمليّة السلام التي وُقّعت في العام 1993 بين منظّمة التحرير الفلسطينيّة وإسرائيل، وقد دأبت الولايات المتّحدة الأمريكيّة منذ إبرام اتّفاقيّات أوسلو وواشنطن على تقديم مساعدات للشعب الفلسطينيّ كوسيلة لدفع واستمرار عمليّة السلام بين الطرفين، وتُعتبر الوكالة الأمريكيّة للتنمية الدوليّة (USAID)، ووزارة الخارجيّة الأمريكيّة (Department of State)، المصدر الرئيسيّ الذي تتدفّق من خلاله هذه المساعَدات. فقد شرعت الوكالة الأمريكيّة للتنمية الدوليّة ووزارة الخارجيّة الأمريكيّة بتنفيذ برامج في مختلف القِطاعات في الضفّة الغربيّة وقِطاع غزّة، وأضيف إليها منذ اندلاع الانتفاضة الثانية دعم ماليّ مباشر لموازنة السلطة الوطنيّة، ثمّ تطوّرت المساعدات الأمريكيّة في سنوات ما بعد الانقسام الفلسطينيّ لتشمل مجالات وقِطاعات أوسع وهي: التكاليف الإداريّة؛ البنْية التحتيّة؛ الأمن والحماية؛ سيادة القانون وحقوق الإنسان؛ المساعَدات الاجتماعيّة؛ المياه والصرف الصحّيّ؛ التعليم الأساسيّ.

لتحميل ملف الورقة بصيغة PDF

 

نظّم “مدى الكرمل -المركز العربيّ للدراسات الاجتماعيّة التطبيقيّة” حلقة دراسيّة أكاديميّة لمناقشة كتاب الشيخ رائد صلاح “إضاءات على ميلاد الحركة الإسلاميّة المحظورة إسرائيليًّا”، مساء يومِ الجمعة الماضي في المركز الجماهيريّ في أمّ الفحم، وذلك ضمن برنامج سنويّ لقراءة كتب تتناول قضايا مختلفة في المجتمع الفلسطينيّ والعالم العربيّ.

 أدار الحلقةَ الدراسيّة المحامي والأكاديميُّ علي حيدر، وقدّم الكتاب على أنّه ينطوي على أهمّيّة كبرى، معرفيّة وسياسيّة، مشيرًا أنّ الكتاب مُهمّ لجميع المجالات البحثيّة في العلوم الاجتماعيّة والإنسانيّة، مقدِّرًا مجهود مركز مدى الكرمل الذي بادر إلى تنظيم هذه الحلقة الدراسيّة. 

افتتح الندوةَ الدكتور مهنّد مصطفى مدير عام مدى الكرمل بمداخلة ساقَ خلالها عدّة ادّعاءات بشأن الكتاب؛ الأوّل تناول الكتابة ذاتها ومفاهيمها، مناقشًا أشكال الكتابة؛ التاريخيّة والعلميّة والذاتيّة وغير ذلك… وأكّد أنّ التعامل مع شكل الكتابة لدى الشيخ رائد صلاح عليه ألّا ينحاز إلى المقولات الأورومركزيّة، التي لا تنظر إلى السيرة الذاتيّة على أنّه كتاب تاريخيّ أكاديميّ. وكذلك أكّد مصطفى على أهمّيّة الكتاب التاريخيّة وشهادته على الماضي.

 واما الأدِّعاء الثاني، فمفاده أن الكتاب بمثابة وثيقة تاريخيّة للحركة الإسلاميّة في الداخل (المحظورة إسرائيليًّا)، وذكر أنّ هذه من أولى الوثائق التي تتحدّث عن الحركة الإسلاميّة في الداخل، حيث تنبع أهميّة الكتاب من أهمّيّة الكاتب، الشيخ رائد صلاح، قائد الحركة الذي أنتج وثيقة تاريخيّة عن ذاته وعن تداخل حياته مع الحركة الإسلاميّة في إسرائيل.

أمّا الادّعاء الثالث، فقد تناول المعنى الاجتماعيّ للحظر، مشيرًا أنّ العلاقات والممارسة التي تُشكّلها الحركة الإسلاميّة في إسرائيل عبْر مشروعها في القُدس، هي التلاحم الاجتماعيّ، ومن ثَمّ السياسيّ، مع المشروع الوطنيّ الفلسطينيّ. هذه العلاقات، التي تشكّلت منذ بداية الحركة الإسلاميّة في إسرائيل، قرنت بين الفلسطينيّ في “داخل الخطّ الأخضر” والفلسطينيّ “خارج الخطّ الأخضر”، وهُنا برزت الأزمة عند المؤسّسة الاستعماريّة تجاهنا، ورفضها لهُويّتنا ووجودنا الفلسطينيَّيْن. وعلى أثر ذلك، حُظرت الحركة الإسلاميّة تحت قيادة الشيخ رائد صلاح.

وتحدّثت الباحثة عرين هوّاري منسقة برنامج دعم طلاب الدكتوراة في مدى الكرمل عن أهمّيّة الكتاب في دراسة الحركة الإسلاميّة، إذ يقدّم مادّة هامّة للباحثين والباحثات في هذا المجال، واعتبرت أنّ الكتاب يحمل أبعادًا إنسانيّة وسياسيّة هامّة في حياة الشيخ رائد صلاح، مؤكّدة أنّها لامست احترام الشيخ رائد لدَوْر المرأة وتقديره لها في العمل الإسلاميّ، ولكنّها أشارت في الوقت نفسه أنّه يقدّمها كمسانِدة للمشروع الإسلاميّ ومضحّية من أجله، أي لم تقدَّم كصاحبة مشروع. وادّعت هوّاري أنّها رأت من خلال الكتاب أنّ الحركة الإسلاميّة، المحظورة إسرائيليًّا، لم تتقدّم في مضمار دمج المرأة في المجال السياسيّ التنظيميّ كما حدث لدى الحركات الإسلاميّة في العالم العربيّ. واستحضرت في هذا السياق أطروحتها للدكتوراة التي قابلت خلال إعدادها ناشطات وقياديّات من التيّار الإسلاميّ عبّرن عن مواقف متباينة في قضايا اجتماعيّة تشير إلى التعدّديّة في صفوفهنّ، وفي الوقت ذاته ذكرن أنّ الحركة الإسلاميّة فتحت لهنّ المجال للخروج إلى الحيّز العامّ، حتّى في إطار غياب تمثيلهنّ في الأطر القياديّة في الحركة الإسلاميّة.

تَخْلص الباحثة عرين هوّاري إلى أنّ الحيّز العامّ الذي حقّقته الحركة الإسلاميّة لم يكن أمرًا عابرًا أو مسألة محسومة، بل هو إنجاز حقيقيّ لفتح قنوات للنساء للمشارَكة الاجتماعيّة والسياسيّة في الحيّز العموميّ. من هنا، أثَرُ الحظر الإسرائيليّ كان على آلاف النساء في الداخل، بسبب حرمانهنّ من أن تتوافر لهنّ إمكانيات للعبور إلى الحيّز العموميّ.

وكان المتحدّث الأخير الكاتب والصحفيّ أنطوان شلحت، الذي أشار إلى أنّ الكتاب ينتمي إلى الأدبيّات التي تحاول أن تقدّم سرديّة جماعيّة لا تتضمّن تمجيدًا للكاتب نفسه -وهذا أمر مميِّز للكتاب-. وأضاف أنّ السياسات الإسرائيليّة منذ عام 2000 والهبّة الشعبيّة في الداخل الفلسطينيّ، في سياق الانتفاضة الوطنيّة الثانية، بدأت بتطبيق استنتاجات “لجنة أور” التي حدّدت أنّ الحركة الإسلاميّة والشيخ رائد صلاح من الأسباب المؤدّية إلى ما حدث (إضافة إلى التجمّع الوطنيّ الديمقراطيّ وقائده الدكتور عزمي بشارة)، لكونِها أسهمت في تطوير العلاقات بين الفلسطينيّين “داخل الخطّ الأخضر” مع القدس والمسجد الأقصى منذ بدايات الحركة الإسلاميّة، وهو ما أدّى إلى تكثيف المضايقات والملاحقة إلى أن جرى حظرها. وفي الختام، قام المشاركون بتقديم مداخلات وتساؤلات حول الكتاب والمداخلات.

بأعقاب خلل تقني، اتضح ان بعض الاستمارات التي تم ملؤها لمشاركة في سمنار ومنحة مدى الكرمل لطلبة الدراسات العليا ، لم تصل لعنوان مدى. للتأكد من وصول طلبكم يرجى التواصل مع مدى الكرمل على أحد العنوانين

mada@mada-research.org
areenhawari@mada-research.org

مؤتمر مدى الكرمل السنويّ 2020

دعوة لتقديم ملخَّص مداخلة في المؤتمر

الحقل السياسيّ الفلسطينيّ: تحوُّلات في القيادة ودَور الأحزاب بين التمثيل والتنظيم

الناصرة

14/3/2020

ورقة مرجعيّة:

يمرّ المجتمع الفلسطينيّ في إسرائيل بتحوُّلات جوهريّة في السنوات الأخيرة، فضلًا عن تأثُّره من متغيّرات المشهد الفلسطينيّ العامّ. ساهمت هذه التحوّلات في إحداث تغيُّرات في الحقل السياسيّ الفلسطينيّ. ظهرت تمثُّلات هذه التحوُّلات /التغيُّرات في مَحاور عديدة، من بينها تحوُّلات في القيادة السياسيّة من حيث عملها وتوجُّهاتها السياسيّة، إذ ليس في الإمكان قراءة تحوُّلات القيادة بمعزل عن التحوُّلات الاجتماعيّة – الاقتصاديّة التي مرّ بها المجتمع الفلسطينيّ في إسرائيل وما يزال يمرّ. فالقيادة السياسيّة (سواء في ذلك القطْريّة والمحلّيّة)، في أغلبها، هي تَجَلٍّ لهذه التحوُّلات من جهة، وتقوم بدَوْر في بلورتها وتعظيمها من جهة أخرى.

قام مدى الكرمل في مؤتمره السنويّ في حزيران (2019) بدراسة بعض هذه التحوُّلات التي تتمثّل في صعود التوجُّهات الفردانيّة الاندماجيّة داخل المجتمع الفلسطينيّ الناتجة عن نشوء علاقات قوّة اجتماعيّة واقتصاديّة جديدة مع النظام الإسرائيليّ، مقابل التوجُّه الجمعانيّ. بَيْدَ أنّ المؤتمر السابق ركّز في مقارباته على التحوُّلات الاجتماعيّة – الاقتصاديّة وعلاقتها بالمشاركة السياسيّة، ولم يطرق الباب الذي يعالج تأثير ذلك على القيادة السياسيّة، من حيث تحوُّلاتها وتمثُّلات ذلك في عملها وتوجُّهاتها السياسيّة.

إلى جانب تحوُّلات القيادة السياسيّة، يشهد الحقل السياسيّ الفلسطينيّ انزياحًا نحو التقلّص إلى العمل البرلمانيّ عبر القائمة المشتركة. وينعكس ذلك بدوره على مكانة ودَور الأحزاب والحركات السياسيّة في الحقل السياسيّ، حيث تشهد الأحزاب حراكًا سياسيًّا داخليًّا، وكذلك تتحرّك خارجيًّا، وعلى نحوٍ أساسيّ من خلال ديناميكيّات العمل البرلمانيّ وما يحمل من فكرة التمثيل السياسيّ للجماهير الفلسطينيّة، لكن دون إيلاء اهتمام كافٍ لفكرة التنظيم والصوغ، أي تنظيم الجماهير الفلسطينيّة لتكون فاعلة في النضال السياسيّ من خلال أدوات احتجاجيّة أخرى، وصوغ مطلبيّاتها الجمعانيّة. تظهر جدليّة التمثيل والتنظيم في رؤية الأحزاب والحركات السياسيّة لدَوْرها السياسيّ؛ فمنطق التمثيل يفترض التنافس على تمثيل الفلسطينيّين في الكنيست والمحافل الحكوميّة وداخل النظام السياسيّ، بينما تنطلق فكرة التنظيم من العمل الجماعيّ الذي يرمي إلى تمكين المجتمع للنضال من أجل صوغ وتحصيل الحقوق الجماعيّة من جهة، وتوسيع الحقل السياسيّ وتفعيله من جهة أخرى، بما يتجاوز العمل البرلمانيّ ذا البُعد التمثيليّ.

إنّ مقاربة الحقل السياسيّ نظريًّا، من خلال مَفْهَمة التنظيم والتمثيل، تحتاج إلى مقاربته تاريخيًّا، من خلال تحليل سوسيولوجيّ وسياسيّ للحقل السياسيّ الفلسطينيّ في فترات سابقة تَمَيَّزَ فيها هذا الحقل بإمكانيّة التغيير ردًّا على مَوْجات الأسرلة في النصف الأوّل من عقد التسعينيّات من القرن الماضي، على سبيل المثال، وذلك بغية تحقيق فهم أعمق للحقل الراهن؛ فقد شهد الحقل السياسيّ آنذاك توسُّعًا من حيث التنوُّع الفكريّ والأيديولوجيّ، وأدوات الاحتجاج والنضال السياسيّ، وتشابكًا أكبر مع المشهد السياسيّ الفلسطينيّ العامّ في أعقاب اتّفاق أوسلو، وتحدّيًا لفكر أوسلو الذي حوّل الفلسطينيّين في الداخل إلى شأن إسرائيليّ بحت، وتداخلًا أوسع نسبيًّا للحكم المحلّيّ مع العمل السياسيّ الوطنيّ، وصعود رعيل جديد من القيادة الفلسطينيّة رأى في مشروع التنظيم الجماعيّ مشروعًا ملازمًا لفكرة التمثيل السياسيّ.

ينطلق المؤتمر الحاليّ من مقولة ملخَّصُها أنّ الحقل السياسيّ الحاليّ يتأثّر على نحو كبير من نشوء علاقات قوّة اقتصاديّة واجتماعيّة وسياسيّة جديدة مع النظام السياسيّ، وذلك في السياق النيوليبراليّ، عزّزت صيرورة تفكُّك هذا الحقل على مستوى التنظيم، وتصاعدت فكرة التمثيل السياسيّ والتأثير على النظام السياسيّ من داخله، منطلقةً من خطابٍ مُفادُهُ أنّ زيادة التمثيل تزيد من التأثير، متجاهلةً الجوهر الاستعماريّ الذي يتّسم به النظام السياسيّ، وصعود دَوْر مواقع التواصل الاجتماعيّ وتأثيرها على الحقل السياسيّ الفلسطينيّ. بناء على ذلك، يهدف المؤتمر السنويّ لمدى الكرمل عام 2020 إلى تحليل العوامل التي أوصلت الحقل السياسيّ إلى الوضع الراهن من خلال تَقاطُعه مع المشهد الفلسطينيّ العامّ، وتحوُّلات المشهد الإسرائيليّ في السنوات الأخيرة، والمشهد في السياسات العالميّة، وذلك من خلال مقاربات نظريّة سياسيّة وسوسيولوجيّة حول المَحاور التالية:

أوّلًا: طرْح مقاربات نظريّة سياسيّة وتاريخيّة للحقل السياسيّ الفلسطينيّ الراهن، حيث نرمي إلى فهم مميّزات هذا الحقل، والعوامل التي تؤثّر على بنْيته السياسيّة والاجتماعيّة ومستقبله على ضوء التحوُّلات الداخليّة في المجتمع الفلسطينيّ، وعلاقته بالمشهد الفلسطينيّ العامّ وتشابكه مع المتغيّرات في المشهد الإسرائيليّ.

ثانيًا: القيادة السياسيّة: محاولة فهم التغيُّرات التي طرأت على القيادة السياسيّة على المستوى القطْريّ والمحلّيّ، والعوامل التي تؤثّر على خطاب وعمل هذه القيادة.

ثالثًا: الأحزاب السياسيّة: محاولة فهم دَوْر الأحزاب السياسيّة، ومَصادر ضعفها وتراجُعها، وعلاقة ذلك بمُجْمَل التغيُّرات التي طرأت على الحقل السياسيّ.

بناء على ذلك، يتوجّه مركز مدى الكرمل إلى جمهور الباحثين والباحثات وطلّاب الدراسات العليا كي يقدّموا ملخّصات للمشاركة في المؤتمر حتّى موعد أقصاه 15/12/2019، وذلك على العنوان التالي:

 mada@mada-research.org

بإحترام:

اللجنة الأكاديميّة للمؤتمر