قدّم مركز مدى الكرمل المحاضرة الخامسة من سلسلة محاضرات “السياسة في زمن الكورونا” حول صفقة القرن في فترة بعد الاستعمار، والتي قدّمها بروفيسور إيلان بابيه، رئيس المركز الأوروبي للدراسات الفلسطينيّة في جامعة إكستر في المملكة المتحدة. كانت المحاضرة هي الأولى في السلسلة التي تُقام في مكتب مدى الكرمل منذ أزمة كورونا. وقد قامت عرين هوّاري، مركّزة برنامج دعم طلّاب الدكتوراه، بتقديم بروفيسور بابيه والترحيب به في مكتب مدى. حيث أكّدت هواري أنّ استضافة بابيه في الأسبوع الذي نُحيي به النكبة لم يكن بمصادفة، حيث أنّ بابيه قد كتب الكثير حول التاريخ الفلسطينيّ وحول النكبة، لا سيّما في كتابه “التطهير العرقيّ لفلسطين”. عنى بابيه بتقسيم محاضرته لثلاثة أقسام: عرض للسياسات التي اتبعتها الولايات المتحدة حتّى صفقة القرن، ومن ثمّ تعديد الدوافع الأمريكيّة والإسرائيليّة من وراء صفقة القرن، وأخيرًا الحديث عن توقّعاته حول التطوّرات المستقبليّة المحتملة وقوعها في فلسطين التاريخيّة نتيجة لصفقة القرن.

يقول بابيه أنّه وحتّى موعد الإعلان عن صفقة القرن، كان هنالك اختلاف واضح بين تصريحات الولايات المتّحدة ومواقفها المعلنة وبين الإجراءات التي اتّخذتها على أرض الواقع في السياسات الأمريكيّة، حيث حصرت الولايات المتّحدة موقفها بالكلام، ولكن لم يسبق لها أن تعدّت ذلك إلى الأفعال. على ما يبدو، كان الهدف من هذه السياسة أن توحي الولايات المتحدة بالاعتدال والموازنة بين دعمها غير المشروط لإسرائيل، والاهتمام الأمريكيّ في العالم العربيّ وما وراءه. لكنّ صفقة القرن كانت اعتراف واضح وصريح لأوّل مرّة من جانب الولايات المتّحدة حول موقفها من القضية الإسرائيليّة – الفلسطينيّة، وهو الأمر الذي اختلف مع تولّي دونالد ترامب رئاسة الولايات المتّحدة. 

يضيف بابيه في القسم الثاني من المحاضرة، أنّ صفقة القرن وغيرها من القرارات الأمريكيّة، التي لاءمت ولأوّل مرّة التصريحات الأمريكيّة بالأفعال الأمريكيّة على أرض الواقع، مثل نقل السفارة الأمريكيّة من تل أبيب إلى القدس، والاعتراف بالقدس كعاصمة إسرائيل، والاعتراف بضمّ الجولان لإسرائيل والاعتراف بالمستوطنات الإسرائيليّة في الضفّة الغربيّة، كلّها جاءت نتيجة للدافع الجديد لدى صانعي القرار الموجودين وراء ترامب، وهذا القرار هو نزع الطابع السياسيّ عن القضية الفلسطينيّة، وتحويلها إلى قضية إنسانيّة واقتصاديّة. هذا يعني وضع حلّ لها من خلال الوسائل الإنسانيّة والاقتصاديّة، بذلك عدم تناول الحقوق السياسيّة، كحقّ تقرير المصير أو الاستقلال أو حقّ الحريّة وحقّ عودة اللاجئين في أيّ اتفاقيّة. 

تتزامن هذه الفكرة، مع رؤى واستراتيجيّات السلطة الإسرائيليّة، خاصّةً استراتيجيّة نتنياهو التي قام ببنائها بمشاركة القوى والخدمات الأمنيّة، والجيش والأكاديميّة الإسرائيليّة. كان نتنياهو الأب المؤسس لفكرة السلام الاقتصاديّ المشابهة تماما لفكرة صفقة القرن وسياسات التضييق الاقتصاديّة التي تهدف لحصر الهمّ الفلسطينيّ في القضايا الاقتصاديّة، من أجل إيقاف مطالبهم القوميّة والوطنيّة من العالم أو إسرائيل. إنّ الرؤى الإسرائيليّة مكمّلة للرؤى الأمريكيّة، وذلك على الرغم من وجود بعض الاختلافات الطفيفة بينهم، فغاية إسرائيل الأولى هي تثبيت وجود الاحتلال، وطمس الوجود الفلسطينيّ، وتقسيم فلسطين التاريخيّة، ونزع أيّ شرعية أو حقّ للسكان الأصليّين في هذه الأرض، وهو ما تشير إليه ممارساتهم في المناطق أ، ب، ج.

يعدّد بابيه مجموعة خطوات، يرى في نظره أنّها جزء من الاشتراك الإسرائيليّ الأمريكيّ في مسح القضية الفلسطينيّة كقضية سياسيّة، والتركيز على الفلسطينيّين كأفراد أو أشخاص يعانون من مشاكل اقتصاديّة وإنسانيّة من أجل التخلّص من القضية الفلسطينيّة والالتفات لمصالحهم في المنطقة، هي: قانون القوميّة، وتشريع قانون الكنيست الإسرائيليّ عام 2001 الذي يمنع أيّ حكومة إسرائيليّة مستقبليّة من قبول حقّ العودة، وقانون النكبة عام 2010 الذي يفرض عقوبات على كلّ جسم رسميّ يقوم بإحياء أحداث 1948 على أنّها كارثة أو نكبة، وإغلاق إسرائيل في الفترة الأخيرة جميع الملفّات التي توثّق ما حدث عام 1948 والموجودة في الأرشيفات الإسرائيليّة. لخّص بابيه هذا القسم من المحاضرة بتصريحه بوجوب اعتبار صفقة القرن كإهانة للفلسطينيّين، وهي محاولة لخلق نكبة أخرى من خلال مسح الفلسطينيّين من التاريخ والسرديّة الفلسطينيّة. بالتالي، نوّه بابيه على أهميّة التعامل بجدّيّة مع هذه الموضوع الذي يشكّل خطرًا وجوديًّا على الفلسطينيّين، لما يحمله من تأثيرات سلبيّة ومدمّرة على حيواتهم وعلى حيوات اللاجئين.

انتقل بابيه للحديث في القسم الثالث من المحاضرة عن التطوّرات المحتملة في فترة ما بعد الكورونا وتأثيرات فيروس كورونا على الواقع الفلسطينيّ. يرى بابيه بأنّه يجب الإشادة بالسلطات الصحّيّة في قطاع غزّة لاتخاذ التدابير اللازمة لمنع انتشاره بعد أن كانت هناك تخوّفات عديدة من أن يستشرس المرض داخله ويؤدّي لأضرار فيه أكثر من غيره. كذا كان الوضع كذلك في الضفّة الغربيّة، أمّا في القدس فقد كان الوضع أكثر تعقيدًا. ولكن يمكن القول أنّه وحتّى الآن لم يتحوّل فيروس كورونا إلى كارثة إنسانيّة في المناطق الفلسطينيّة.

من جهة أخرى، قام الجيش الإسرائيليّ باستغلال انشغال العالم بالفيروس وتكثيف ممارساته ومحاولاته في الاستحواذ على بعض المناطق الفلسطينيّة في منطقة “ج” وتحويلها إلى منطقة يهوديّة. كما وشهدنا ممارسات أخرى كانت قد توقّفت لفترة وعادت إسرائيل للقيام بها بعد انتشار الفيروس، مثل اعتقال الأطفال، وتسريع مصادرة الأراضي وبناء مكثّف وغير قانونيّ للبيوت والعقارات في المستوطنات، وانتهاء بمحاولة إسرائيل لتنفيذ عملية الضمّ في صفقة القرن، أو عمليّة الطرد والإحلال أو الاستبدال. 

باشر بابيه بعد ذلك بتحديد العوامل التي يمكنها التأثير في المستقبل، مثل اختيار رئيس أمريكيّ منتخب آخر الذي قد يغيّر السياسات الأمريكيّة ويؤدّي إلى تليين موقفهم من القضيّة الفلسطينيّة، وإن عادت الولايات المتّحدة لسياساتها السابقة في قبول فكرة السلام الاقتصاديّ ونزع الطابع السياسيّ عن القضية الفلسطينيّة ولكن بطريقة أقل صراحة ومجاهرة، وهذا ما يدفع بابيه لعدم تعليق آمال كبيرة على التغيير في السياسة الأمريكيّة.  وهو يشير أنّ أوروبا بالمقابل قد عبّرت عن صوت معاكس ونقد قويّ لبعض أجزاء صفقة القرن، ولكن هذا لا يعني أنّ هذا الرفض سيكون له أيّ تأثير وإن كانت الإدانة الأوروبيّة قويّة ومثيرة للإعجاب، لكنّها غير حادّة ولن تترك أيّ أثر على السياسات الإسرائيليّة كما ولن تؤثّر في جوانب مهمّة من العلاقات الإسرائيليّة الأوروبيّة. ويعقّب بابيه، أنّ القضية الفلسطينيّة هي إحدى القضايا التي تكشف عن النفاق الذي يرافق الخطاب السياسيّ والفجوة بين القيم العالميّة التي من المفترض أن يكون السياسيّ ملتزمًا بها وبين سياساته الفعليّة.

مع ذلك يرى بابيه جانبًا مشرقًا من خلال ثلاث احتمالات، أو ثلاثة أنواع من التطوّرات التي قد تطرأ  على السيناريو الذي يتبع صفقة القرن. التطوّر المحتمل الأوّل، هو الأمل بتوحيد الصوت الفلسطينيّ لصوت واحد يمكنه أن يقود الجميع من حوله، ويمكن تحقيق ذلك من خلال توحيد الجهات التي تمثّل الفلسطينيّين من أعضاء كنيست عرب، إلى أكاديميّين وناشطين، وتحديد مفهوم التحرير لدى الحركة الوطنيّة الفلسطينيّة في القرن الواحد والعشرين.  

أمّا التطوّر الثاني المحتمل هو نتيجة لاتّساع الفجوة بين النخب السياسيّة والمجتمعات المدنيّة في العديد من الدول التي شكّلت رؤية واضحة حول ما يجب على الحكومات القيام به من أجل فلسطين.  هنالك قطاعات مختلفة من الأكاديميا، الإعلام، الجمعيّات النسويّة، والنقابات العماليّة داخل المجتمعات المدنيّة في الولايات المتحدة، وكندا، وأوروبا، والدول الإسلاميّة مثل ماليزيا وإندونيسيا، والدول العربيّة؛ الذين أسسوا بالفعل مبدأهم وموقفهم من القضيّة الفلسطينيّة ونبذوا إسرائيل، وطالبوا بمقاطعتها، وإقرار الحكومة بعدم قبولها كعضو من أعضاء مجتمع الدول المتحضّرة. إلّا أنّ هذه الطاقة الشبابيّة لم تتحوّل بعد إلى مواقف لدى السياسيّين لأنّ إسرائيل تعمل على تخويفهم وتشويه سمعتهم واتّهامهم بمعاداة الساميّة. 

أمّا التطوّر الأخير الذي تحدّث عنه بابيه هو احتمال حدوث تغيير في المجتمع اليهوديّ الإسرائيليّ، وحول أهمّيّة هذا التغيير. يرى بابيه أنّ على المجتمع الإسرائيليّ تقع مسؤولية الاعتراف بوجود مشكلة في أيديولوجيّات الدولة التي ينتمون إليها وإن كانت هذه الأيديولوجيّات تمنحهم امتيازات وقّوّة، لأنّه ومع هذه الامتيازات والقوّة لا يمكن الحصول على الأمان، فهم يعيشون في العالم العربيّ لكنّهم غرباء فيه، ومن أجل أن يحصل الجميع على حياة طبيعيّة عليهم أن يتنازلوا عن هذه الامتيازات من أجل بناء مجتمع جديد، عادل وآمن فيه مصلحة الجميع. اعترف بابيه بأنّه يعتقد أنّ تحقيق ذلك سيكون بطيئًا، ولكنّه يعتقد كذلك بوجود  ثقافة فرعيّة لدى بعض جيل الشباب الإسرائيليّين اليهود الذين بدأوا بفهم ضرورة تغيير الحكم والسياسات الإسرائيليّة من أجل القضاء على الظلم. يمكن الاستدلال على هذا التغيير من الأفراد الذين رفضوا الخدمة في الجيش، والذين غادروا الدولة وسافروا لأماكن أخرى لأنّهم لا يريدون أن يكونوا جزءً من هذا المجتمع. 

أنهى بابيه محاضرته بالتأكيد على أنّ جميع هذه هي احتمالات ممكنة وهو لا يدّعي حدوث أيٍّ منها الآن. وختم بقوله أنّ صفقة القرن هي سياسة من فوق، وهو يقصد بذلك النخب السياسيّة، وسائل الإعلام المركزيّة، والأكاديميا المركزيّة. من الصعب معرفة من في هذا المبنى الفوقيّ يمكنه أن يطرح صفقة بديلة، لذلك هو يرى أنّ منطق صفقة القرن سيبقى منطق العمليّة المدعوّة بعمليّة السلام. أمّا البديل فموجود في الخارج، يتمّ تصوّره، إدراكه، وبناؤه بالفعل، لكنّ هذا البناء يبدأ من الأسفل، من وسائل الإعلام الصغيرة البديلة، من قبل الجمعيّات الغير ربحيّة، والأكاديميّين، والناشطين، من قبل النقابات العماليّة، الشباب، والفلسطينيّين أصحاب السلطة، ومجموعات أخرى. هذه كلّها بواعث ودوافع إنسانيّة قويّة التي يمكنها ابتكار صفقة بديلة، يجب تنفيذها ويجب أن تتمّ قيادتها من قبل الفلسطينيّين من أجل مصلحة الجميع وليس الفلسطينيّين فقط، ومن أجل جميع من طُردوا من هذه البلاد، ومن أجل المنطقة كلّها كذلك. 

لمشاهدة المحاضرة: https://bit.ly/2zCgjyV

One comment

Comments are closed.