|
|
|
|
دستور يهودي لضمان دونية العرب/ نمر
سلطاني*
|
عقد المعهد الاسرائيلي للديمقراطية
مؤخرا مؤتمرا سنويا إضافيا للمجلس الشعبي لما يسمى
"دستور بالموافقة". كما نشر المعهد مسودة الدستور
المقترح من قبله. وكنا قد شهدنا قبل حوالي الشهرين
حملة اعلانية واعلامية مكثفة يقوم بها المعهد
الاسرائيلي للديمقراطية لاقناع العرب بمقترحاته
للدستور. وقد طالت هذه الحملة غالبية الصحف العربية
المحلية بما فيها بانوراما والاتحاد وكل العرب
والصنارة والاهالي. ونظرا لأهمية الموضوع ولتواصل
الجهود الحثيثة لسن دستور في اسرائيل وبداية تبلورها
في مقترحات ناجزة ومتكاملة أصبح من الضروري أن تناقش
الاقلية العربية (أفرادا وهيئات) موضوعة الدستور على
كافة جوانبها: هل نحن كأقلية بحاجة الى دستور؟ هل
الظروف مؤاتية لسن دستور متنور وديمقراطي في
إسرائيل؟ ماذا يبتغي المبادرون لسن دستور إسرائيلي؟
ما هو موقفنا من المقترحات المطروحة حاليا وكيف يجب
ان نتعامل معها؟ وغير ذلك. في هذه العجالة أود
المساهمة في هذا النقاش من خلال توضيح موجز للنقاط
التالية:
1. وجود دستور ليس شرطا من أجل ضمان
المساواة والديمقراطية. أي أنه بالامكان وجود نظام
ديمقراطي دون أن نحتاج الى دستور. ومثال ذلك هو
بريطانيا وهي أقدم وأعرق الديمقراطيات الغربية.
فبالرغم من عدم وجود دستور إلا أن أحدا لا يستطيع
الادعاء أن نظام الحكم هناك غير ديمقراطي. ولكن في
حالة من هذا النوع يجب ان تتوفر في الدولة ثقافة
سياسية ديمقراطية وتراث ديمقراطي وآليات للدفاع عن
حقوق الاقليات بحيث يكفل ذلك استمرارية الديمقراطية
وثباتها.
2. وجود دستور متنور وديمقراطي لا
يضمن الحصول على المساواة ووجود نظام ديمقراطي. أي
أننا نستطيع التواجد في دولة تملك دستورا رائعا يشاد
به ولكن ذلك لا يغير من الواقع المعاكس لتصريحات
الدستور شيئا. وأمثلة ذلك هي كثيرة، ولكن المثال
الأكثر سطوعا هو دستور الاتحاد السوفييتي قبل
الانهيار. فقد كان هذا الدستور من اكثر الدساتير
تنورا في العالم ولكن هذا لم يمنع النظام من قمع
الحريات. الاستنتاج من ذلك هو أنه الى جانب الدستور
يجب ان تتوفر قيم ديمقراطية مهيمنة في صفوف الشعب
ومؤسسات السلطة. بدون ذلك لا معنى لوجود الدستور ولا
معنى لما يشمله هذا الدستور.
3. الجسم
الرئيسي المبادر لسن دستور هو المعهد الاسرائيلي
للديمقراطية. والحقيقة أن من الاحرى بنا أن نطلق
عليه، كما فعل بروفسور نديم روحانا، اسم "المعهد
اليهودي للديمقراطية اليهودية". فلو تمعنا مليا في
الهيئات المختلفة التي يتكون منها هذا المعهد لوجدنا
أنها كلها تشمل يهودا فقط. هناك عضو عربي واحد في
ادارة المعهد (لا أعرف إن كان يعرّف نفسه عربيا أو
درزيا) ولكنه لا يمثل الجمهور العربي وتطلعاته، مع
العلم انه خدم سنوات طويلة في الجيش الاسرائيلي وفي
الاحزاب الصهيونية. كذلك الامر بالنسبة للمجلس
الشعبي لما يسمى "دستور بالوفاق"، حيث نجد أن
الادارة تشمل اليهود فقط في حين لا يتجاوز عدد العرب
في المجلس الشعبي والمؤتمرات أصابع اليدين ولا
يشكلون الا نسبة ضئيلة من المشاركين. ومن الواضح ان
المشاركين العرب لا يعكسون الوزن العددي والنوعي
للأقلية العربية في البلاد ولا يمثلون التيارات
المركزية فيها.
4. الجسم الرئيسي الثاني
المبادر لسن الدستور هو لجنة الدستور والقضاء
والقانون في الكنيست. وهي اللجنة التي ستصوت على
مسودة الدستور المقدمة للكنيست. لجنة الدستور مكونة
من 16 نائبا (النائب عزمي بشارة هو العربي الوحيد)
من بينهم 10 يمينيين، برز معظمهم في السنوات الاخيرة
بسبب عدائهم للأقلية العربية ودعمهم لقوانين
واقتراحات قوانين عنصرية وتمييزية. وفي مقدمة هؤلاء
رئيس اللجنة النائب ميخائيل ايتان الذي رأس "اللوبي
من أجل أرض اسرائيل" في الكنيست الثاني عشر والثالث
عشر. وهو النائب الذي لاحق النواب العرب في حالتين
على الاقل: محمد ميعاري عام 1985 وصولا الى نزع
الحصانة عنه (القرار الذي الغته المحكمة العليا فيما
بعد)؛ واحمد الطيبي عام 2001 وصولا الى تقليص حقه في
حرية الحركة. كما صوّت 6 من أعضاء اللجنة لصالح
اقتراح القانون العنصري الذي اقترحه تسفي هندل، وينص
على اقامة تجمعات سكنية لليهود فقط. ولا يتيح لنا
هنا ضيق المجال ذكر التصريحات العنصرية المتطرفة
التي أدلى بها كثيرون من أعضاء اللجنة ضد العرب.
وكنا في مركز مدى الكرمل – المركز العربي للدراسات
الاجتماعية التطبيقية قد أصدرنا تقارير مفصلة ومطولة
حول هذه التصريحات.
5. الكنيست الذي سيصوت
على الدستور ويصادق عليه في نهاية المطاف خاضع
لأغلبية يمينية كبيرة لم نشهد مثلها منذ سنوات
طويلة. هذه الأغلبية المتطرفة اعتلت أجنحة العداء
للعرب والفلسطينيين خاصة مع بداية الانتفاضة وهبة
اكتوبر. وقد نجحت هذه الاغلبية في تمرير العديد من
القوانين العنصرية وعلى رأسها قانون المواطنة
والدخول الى اسرائيل بالاضافة الى القوانين التي
تعزز من يهودية الدولة وتزيد التمييز ضد العرب عمقا
وتجذرا في مجالات الحياة كافة. كما قلصت هذه
القوانين من حرية التعبير عن الرأي السياسي وبشكل
خاص ضد الممثلين العرب في الكنيست (انظروا استعراضا
مفصلا لهذه القوانين في تقارير مدى الكرمل). في مثل
هذه الاجواء من التحريض ضد العرب وممثليهم يحاول
الكنيست تمرير دستور يضمن يهودية الدولة والمكانة
المتدنية للعرب في وطن آباءهم وأجدادهم. من الواضح
ان هذه الاجواء ستؤدي الى دستور شديد السوء بالنسبة
للعرب وللديمقراطية.
6. هناك اقتراح بأن
يصادق الجمهور الاسرائيلي في استفتاء عام على
الدستور. إن استطلاعات الرأي في السنوات الاخيرة
تظهر أن الآراء العنصرية وغير الديمقراطية منتشرة
بشكل مذهل في أوساط الجمهور اليهودي في البلاد على
اختلاف فئاته. مثلا: ثلثا اليهود في البلاد يعتبرون
المواطنين العرب خطرا امنيا، ويؤيدون تشجيع العرب
على الهجرة وطردهم. وأكثر من نصف اليهود لا يوافقون
على السكن مع العرب في نفس الحي او البناية ولا
يوافقون على تأجير بيتهم لعرب. وفي المجمل فالغالبية
اليهودية تؤيد التمييز ضد العرب. مثل هذا الجمهور
بإمكانه أن يصادق على دستور سيء.
7. الهدف
الرئيسي كما أسلفت من المحاولات الدستورية الحالية،
وعلى رأسها محاولة المعهد اليهودي، هو تثبيت يهودية
الدولة. وذلك عن طريق المعادلة المخادعة: "دولة
يهودية وديمقراطية". ويحاول القائمون اقناعنا أن
بإمكان الدولة ان تكون يهودية وان تضمن المساواة
الكاملة للعرب في نفس الوقت. لكن كل عاقل وكل ملم
بالوضعية القانونية والسياسية يعرف ان ذلك مجرد ضحك
على اللحى. لأن هناك تناقضا واضحا وجليا بين يهودية
الدولة وديمقراطيتها. فاليهودية تعطي أفضلية إثنية
ودينية وقومية جماعية لليهود على العرب. في حين ان
الديمقراطية تفترض المساواة التامة بغض النظر عن هذه
الانتماءات كلها. لكن المؤسف هو أن هذه الخديعة قد
انطلت على بعض العرب. ويحاول المعهد اليهودي جاهدا
إشاعة ان الجمهور العربي وقياداته موافقون على هذه
المعادلة ولكن ذلك كذب صريح فاستطلاعات الرأي التي
أجراها مركز مدى تثبت زيف هذا الادعاء.
8.
الوضع القائم اليوم هو أن الدولة تعرف نفسها في
قوانين الاساس الدستورية القائمة على انها "دولة
يهودية وديمقراطية". فما هو المكسب الذي سيجنيه
العرب في هذه البلاد من دستور يقول ذلك أيضا؟ هذا
يعني أن الوضعية غير المتساوية القائمة ستستمر. بل
الأنكى من ذلك، سيصبح تغيير هذا الوضع سياسيا
وقانونيا أصعب مع وجود دستور لأن تغييره وتعديله
أصعب من القوانين العادية. كما ان موافقة العرب على
هذه المعادلة تعني اعطاء الشرعية لها (وهو الامر
الذي تفتقده اليوم) وهذا ما يبغيه المعهد من دعوة
بعض العرب الى اجتماعاته. إن موافقة العربي على
يهودية الدولة تعني تذويت الدونية العربية وانكار
الهوية الذاتية ونفيها.
9. يتشدق علينا
المعهد اليهودي بإيراد مبدأ المساواة في مسودة
الدستور التي يقترحها. ولكن وجود هذا المبدأ لا يغير
من الامر شيئا ما دامت الاولوية هي لليهود والافضلية
هي لهم لأن الدولة تعرّف نفسها بأنها "دولة الشعب
اليهودي". أي أن الدولة ليست دولة المواطنين العرب.
"هذه الدولة هي لنا وليست لكم" هذا ما يقوله لنا
المعهد اليهودي ولجنة الدستور والوضع القانوني
القائم. بدون تغيير ذلك لن يملك العرب المساواة في
هذه الدولة. وبدون وجود ثقافة سياسية ديمقراطية لا
معنى لأية حديث عن المساواة في أي نص قانوني أو
دستوري. كما ان مبدأ المساواة يناقض ويتعارض مع
البنود الاخرى الموجودة في الدستور مثل حق العودة
لليهود فقط.
10. نظرا لأن العرب خضعوا لسنوات
طويلة من التمييز والعنصرية بشكل جماعي فمن أجل
الوصول الى المساواة الحقيقية (لا الشعارات البراقة)
هناك ضرورة لسياسة تفضيل مصحح منهجية وعلى فترة من
الزمن تجاه العرب. لا يذكر المعهد اليهودي عن ذلك
شيئا بل يكتفي بذكر الشعار. هكذا يصبح ذكر المساواة
والديمقراطية في النص مجرد حملة علاقات عامة لصورة
اسرائيل في العالم.
11. لو تمعنا جيدا في بعض
مقترحات المعهد اليهودي لوجدنا انها أكثر سوءا من
الوضع القائم. فاللغة العربية تحظى اليوم على الاقل
من الناحية القانونية بمكانة لغة رسمية في الدولة
مثلها مثل اللغة العبرية (ولكن ذلك لا يطبق على أرض
الواقع مما يدفعنا الى التفكير في مصير نص مشابه في
الدستور). لكن النص الذي يقترحه المعهد ينتقص من
المكانة الرسمية للعربية ويمنح هذه المكانة للغة
العبرية مشددا مرة أخرى على يهودية الدولة. هذه
المكانة الدونية للعربي هي تعبير إضافي عن المكانة
الدونية للعرب كما يريد المعهد اليهودي.
12.
كل الرموز (اسم الدولة، العلم، النشيد الوطني، رمز
الدولة) التي يقترحها المعهد اليهودي مستقاة من
التاريخ اليهودي والصهيوني ومن الدين اليهودي. كذلك
الامر بالنسبة للاعياد وللعطل الرسمية وللتقويم
الرسمي في الدولة. لا يوجد أي أمر من هذا كله يعبر
عن كافة المواطنين بما فيهم العرب. كلها رموز لا
تمثل العربي ولا تعني له شيئا سوى المزيد من الاقصاء
والاغتراب.
13. يفتتح المعهد اليهودي اقتراحه
بنص وثيقة الاستقلال الاسرائيلي. هذه الوثيقة تعبر
عن الرواية التاريخية الصهيونية وعن العربي المهزوم
لا العربي الشريك والمتساوي. لذا من غير المعقول أن
يكون هذا النص بالذات افتتاحية ملائمة.
14.
بالرغم من ان نص مسودة الدستور يتحدث عن ضمان مكانة
الاقلية العربية إلا أنه لا يخبرنا عن أية مكانة
يتحدث (من الواضح أنه يقصد المكانة المتدنية). بل
والأنكى من ذلك، يفصل المعهد بين العرب والدروز
مكملا نهج التقسيم الى طوائف وهذا أمر مرفوض وخطير.
كما أن المعهد لا يميز بين كون الاقلية العربية
أقلية أصلانية (أي أصحاب البلاد الاصليين) والاقليات
الاخرى المهاجرة.
على ضوء ما ذكرت، وكان
بإمكاني أن أذكر المزيد لكن يضيق المجال هنا، أرجو
من المشاركين العرب (وهم قلة) في الاجتماعات
والمؤتمرات التي يعقدها المعهد اليهودي أن يكونوا
على علم بذلك كله وان لا يسمحوا بتحويلهم الى مجرد
ورقة توت لتمرير مثل هذا الدستور السيء. كما أطلب من
الصحف العربية عدم الترويج لهذه الجهود بل النظر
إليها بشكل نقدي.
إن الظروف الحالية غير
مناسبة لسن دستور متنور وديمقراطي في اسرائيل وما
دام المبادرون يرفضون المساواة الكاملة والحقيقية
للعرب، إذ يصرون على يهودية الدولة، ويرفضون حتى
مجرد مناقشة الموضوع، علينا ان نرفض المشاركة في مثل
هذه الجهود. إن هذا الموضوع هو الامر الخلافي
الاساسي وتجاهله لن يجدي نفعا لأنه سيطفو دائما على
السطح.
* مدى الكرمل – المركز العربي
للدراسات الاجتماعية التطبيقية
|
|
| | | عودة الى الفئة الرئيسية
|
|