الفلسطينيون في اسرائيل
يتجاوز عدد المواطنين الفلسطينيين في إسرائيل المليون نسمة، ويقارب ما نسبته 16% من تعداد سكان إسرائيل. ويقيمون في ثلاث مناطق رئيسية: الجليل، المثلث وجنوب النقب. فيما يتعلق بالتقسيم الريفي/ الحضري، يعيش 29% في عشر مدن عربية (وهي غالبًا قرى كبيرة تديرها سلطة محلية بمكانة مجلس بلدي)، وَ 55% في أكثر من 100 قرية عربية، وَ 8% في مدن مختلطة عربية – يهودية (وهي في الأصل المدن الفلسطينية الكبرى مثل حيفا ويافا)، وَ 8% في أكثر من 40 قرية غير معترف بها. وأقصي أكثر من 20% من أصل 156,000 فلسطيني ممن ظلوا في إسرائيل بعد حرب 1948عن بلدانهم وقراهم وأصبحوا لاجئين في وطنهم حيث هدمت إسرائيل قراهم وبلدانهم الأصلية واستولت عليها.
بين العامين 1948-1966، عاش الفلسطينيون في إسرائيل تحت حكم عسكري طبق عليهم حصرا بالرغم من وضعهم القانوني كمواطنين. فرض الحكم العسكري قيودا على الحقوق الاقتصادية والاجتماعية للفلسطينيين، بما في ذلك حرية الحركة والتعبير والتجمع. وشكّل الأداة الرئيسية التي استخدمتها السلطات الإسرائيلية لضبط نمو العرب ومصادرة الموارد الفلسطينية (وبخاصة الأراضي). بحلول عام 1998، كانت سلطات الدولة قد صادرت بشكل منهجي أكثر من 80% من الأراضي التي يمتلكها الفلسطينيون ووضعتها تحت تصرف المواطنين اليهود.
انتهى الحكم العسكري عام 1966، ولكن التمييز المؤسسي ضد الفلسطينيين في إسرائيل لم ينتهِ. وبيّن مركز "عدالة"- المركز القانوني لحماية حقوق الأقلية العربية في إسرائيل أنه ثمّة على الأقل 17 قانونًا في إسرائيل تميّز بشكل مباشر ضد المواطنين الفلسطينيين. وتنطوي سياسات التمييز على إقصاء صريح عن بعض الوظائف، وتفرض قيودًا على الحقوق في الأرض والمياه، وتقلّل من فرص التعليم. ونتيجة ذلك فان الفلسطينيين في إسرائيل يواجهون تحديات اجتماعية واقتصادية وسياسية وثقافية هائلة.
من الناحية الاجتماعية، الفلسطينيون في إسرائيل عالقون بين قوى شديدة التناقض، ما بين الحداثة والمحافظة مع غياب مؤسسات اجتماعية قومية لديها الإمكانية لتعنى بتطويرهم أو تمكينهم لتعمل بفعالية باسمهم. كثرة مصادرة الأراضي وتحويلهم السريع إلى عمال بالأجرة لم يصحبهما تنمية اقتصادية موازية. ومع النمو السكاني السريع تضخمت المناطق المأهولة في القرى العربية، في حين بقيت البنية التحتية مخنوقة، إذ تفتقر هذه القرى إلى خدمات أساسية (نحو: المؤسسات الثقافية؛ والأماكن العامة؛ والحدائق؛ والملاعب؛ والنوادي الشبابية)، وأحيانا إلى الحد الأدنى من مقومات الحياة الجيدة.
إعاقة تطوير البلدات العربية كان جزءًا لا يتجزأ من التنمية الاجتماعية المحدودة التي أوجدت بشكل لا مفر منه ما يصفه الكثيرون في المجتمع بأنه تشويه للهوية الاجتماعية. بشكل عام، إن هذه الهوية تتسم بالتكيف مع المظاهر الخارجية للحداثة والتمثل بالثقافة اليهودية الغربية (وردود الفعل على مثل هذه المظاهر نجدها في قطاعات كبيرة من المجتمع)، وتتعايش في الكثير من الحالات مع قيم قديمة مترسخة تتحكم فيها الهويات الدينية والعائلية ومع غيرها من القيم الاجتماعية التي تحكم السلوكين الاجتماعي والسياسي.
كما أن سيطرة الدولة ساهمت في تشويه التنمية السياسية. بسبب إفراط سلطات الدولة في التركيز على القضايا الأمنية وعلى الأهداف الصريحة في خدمة المجتمع اليهودي بالأساس فقد أخضع الفلسطينيون لسياسات تمييزية. حتى سبعينيات القرن الماضي، كان ينظر إلى التغيرات الاجتماعية والسياسية في المجتمع الفلسطيني على أنها مظاهر تطرف وتهديد. فالحركات السياسية العربية التي تعطي الأولوية لاحتياجات العرب والبعيدة جدًّا عن الفكر الصهيوني توصف بمفردات السلبية كافة (مثل "متطرفة" وَ "رافضة" وغيرهما). وبشكل تقليدي إن المحللين الإسرائيليين ينفون وينكرون أو يسيئون تشخيص المعضلة السياسية المركزية للمواطنين الفلسطينيين أو البُعد الوجودي لهم والذي ينبع من سياسات الدولة الرسمية والبنية المؤسسية والالتزامات الإيديولوجية التي تجعل من المساواة أمرا لا يمكن إحقاقه.
عملية السلام التي وصلت إلى اتفاقية أوسلو عام 1993 فتحت الطريق لحوار أوسع حول الحياة الاجتماعية والمدنية للفلسطينيين في إسرائيل. فقد وضحت الاتفاقيات أن العرب في إسرائيل سيظلون ملتزمين بالاتفاق الفلسطيني مع شعور بنهائية وضعهم كمواطني إسرائيل، وعليه يجب أن يناضلوا من أجل تحسين وضعهم الجماعي الخاص. المواطنون الفلسطينيون في إسرائيل يمكنهم اليوم التعبير بشكل أفضل عن حقوقهم الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، وهناك قوى ضمن المؤسسة الأكاديمية والسياسية الإسرائيلية على استعداد للاستماع إلى الأصوات الفلسطينية الصاعدة.
عشية الانتفاضة الأخيرة ساهم الهدوء النسبي في الأوضاع الأمنية وزيادة الوعي لقضايا المواطنين العرب، داخل المؤسسة الإسرائيلية، في خلق بعض التغيير. كان هناك تحول نحو انفتاح أكبر في الجهاز القضائي، وسمعنا أصواتا جديدة في الأكاديميا الإسرائيلية، ولمسنا المزيد من الوعي داخل المؤسسة السياسية لحقيقة وجود الكثير من السياسات التمييزية ذات التأثيرات السلبية. كل هذه التغيرات تتزامن مع بروز إرادة سياسية متجددة لدى المجتمع العربي. وقد أكد الإصرار العربي المتجدد مسألة الهوية القومية والمواطنة الديموقراطية المتكافئة، ويحاول فحص مفهوم المواطنة في مستوى سياسات الدولة وتوزيع الموارد والمساءلة حول صميم بنية الدولة ذاتها. في ظل هذه التحولات هناك إمكانية جديدة لنشوء خطاب جديد من شأنه أن يمهّد الطريق لبدء تداول المشاكل البنيوية المتوارثة في تعامل الدولة مع مواطنيها الفلسطينيين. أما انعكاسات الانتفاضة على المجتمعين اليهودي والعربي هنا فيجعل من هذا الأمر أكثر إلحاحًا.
