الثورة تكسر وهم التنمية بالشروط الغربية-الإسرائيلية

تاريخ النشر: 07/07/2010

 

إمطانس شحادة *

كما أسقطت هزيمة إسرائيل في حرب لبنان 2006 خيارات إسرائيل في فرض حلول سياسية بواسطة القوة العسكرية، فإن ثورة مصر وتونس أسقطت مقاربة استعمال الإغراءات الاقتصادية ووهم التنمية كرافعة لإقناع أنظمة وشعوب عربية بشروط السلام الإسرائيلية.

تحاول إسرائيل، منذ عقود، أن تفرض وجودها وهيمنتها على المنطقة، بواسطة تفوّقها العسكري من جهة، وعن طريق إغراءات بتنمية اقتصادية وتحديث للدول العربية المجاورة في حال أقامت علاقات مع إسرائيل، من جهة اخرى.

هكذا استعملت إسرائيل الترهيب والترغيب العسكري والاقتصادي لفرض شروطها على الدول العربية (والسلطة الفلسطينية). فكانت إسرائيل، وما زالت، تروج للدول العربية (على الأقل غير النفطية) أنها تملك مفاتيح الطريق إلى الغرب، وأنّ الازدهار والتحديث الاقتصاديين، يمران عن طريق تل أبيب. هذا الاشتراط تمّ طبعًا بمساعده حلفاء إسرائيل في الغرب (الولايات المتحدة والعديد من الدول الأوروبية) ومؤسسات مالية عالمية، الذين أعاقوا واشترطوا دخول دول عربية إلى الاقتصاد العالمي أو الاستفادة من الاستثمارات الخارجية، بتوقيعهم على اتفاقيات سلام (استسلام) مع إسرائيل، أو تطبيع علاقاتها مع إسرائيل، حتى دون اتفاقيات رسمية علنية.

كان النظام المصري بعهد أنور السادات أحد تلك الأنظمة العربية التي رضخت لضغوطات الغرب الذي اشترط مساعدة الاقتصاد المصري بتوقيع معاهدة سلام مع إسرائيل، وهكذا كان مع النظام الأردني والتونسي والمغربي، وغيرهم. تلك الدول سلّمت إراداتها السياسية القومية الى الغرب وإسرائيل، وسلمت إدارة سياساتها الاقتصادية لصندوق النقد والبنك الدولي، وقبلت النظام الليبرالي الرأسمالي دون قيد أو شرط، ودون مرحلة انتقالية تعاد فيها هيكلة الاقتصاد والصناعة، ودون تمكين المواطنين من اكتساب الأدوات الضرورية لهذا التحوّل، والأهم أن تلك الدول لم تطبق فعلا اقتصادًا حرًا في علاقات الدولة مع المواطنين، إنما ألغت تدخّل الدولة في الاقتصاد ومنحت الفئات المقربة من السلطة وأركان السلطة ذاتها السيطرة على الاقتصاد وموارد الدولة. أنتج هذا الحال طبقة حاكمة فاسدة وقامعة (سياسيًا واقتصاديًا) تسيّطر على السياسة وعلى الاقتصاد، على الموارد والنفوذ.

في حالة مصر، وإلى جانب التحوّل الاقتصادي والانكشاف أنتج نوعا من أنواع التنمية والتحديث والتصنيع، أُنتج أيضًا -في ظل سيطرة الفئة الحاكمة على الاقتصاد- تشويهًا للعمليات الاقتصادية وازديادًا كبيرًا في الفروق الاقتصادية بين شرائح المجتمع المصري، بين المقربين إلى النظام وسائر الشعب، وتنامى الاحتكار، ولو بأنماط جديدة، وزاد الدين الخارجي، وارتفع العجز التجاري، وتسارعت عمليات خصخصة وبيع شركات وقطاعات حكومية إلى القطاع الخاص، وخفضت التعريفة الجمركية على الاستيراد وكشف الاقتصاد المصري والصناعات المصرية بشكل كامل على الاقتصاد العالمي، وقلصت ميزانية البنود الاجتماعية، وارتفعت البطالة والفقر.

في مصر، قام النظام الديكتاتوري بانتهاج نظام اقتصادي ليبرالي ووزع ممتلكات الدولة على المقربين من النظام، وسنّ قوانين وتشريعات جمركية وضريبية تعمل لصالح الفئات المسيّطرة والحاكمة وتستنزف مقدرات الشعب وتفقره. وبطبيعة الحال، لا يمكن الحفاظ على هذا النظام دون القمع من جهة، والاحتواء من جهة أخرى. والأهم هو أن تلك الفئة كانت تملك حصانة محلية وعالمية، وحصلت على صكوك غفران لكل هذا الفساد، لأنها تفي بشروط الاعتدال السياسي في المنطقة وتخدم مصالح سياسية وأمنية للاستعمار وللغرب ولإسرائيل. فما دامت تستطيع التوفيق بين الفساد وبين السيطرة على الشعب وإرادته السياسية، وقبول شروط المؤسسات الاقتصادية العالمية، لا بأس إذا، فليستمر الحال على ما هو.

ثورة تونس ومصر قد تؤديان إلى كسر تلك المنظومة الفكرية الاقتصادية والتنموية التي روّجت لها إسرائيل والغرب، والتي تربط ما بين نمو وازدهار الشعوب العربية برضا إسرائيل ومكافآت من الغرب. تلك المنظومة أنتجت على أرض الواقع الفقر والقهر والإذلال للشعوب العربية. وفي المقابل، فإن قلق المؤسسة الإسرائيلية من انهيار هذه المقاربة لا يقل عن قلقها من الأبعاد العسكرية الاستراتيجية والسياسية، التي قد تنتجها الثورة.

انهيار نموذج التنمية الاقتصادية المشوهة والمرهونة برضا إسرائيل وشروط البنك الدولي وصندوق النقد، يمكن أن يكون ضربة قاسية لنظام إقليمي وربما عالمي، حتى ولو لم يتغير النظام المصري في المدى القريب. فلا  يمكن لإسرائيل والغرب بعد هذه التحوّلات أن يقنعوا أنظمة عربية أو شعوب عربية بـ"الفوائد الاقتصادية" لتسوية بشروط إسرائيلية، والتنازل عن الإرادة القومية الحرية والكرامة، وتوكيل إدارة الاقتصاد لأيدي البنك الدولي وصندوق النقد، أو أن الطريق إلى النمو تمر من تل أبيب.

واذا كان الغرب الرأسمالي مستعدا في السابق إلى دفع المستحقات الاقتصادية لعمليات التفاوض واتفاقيات الاستسلام السلمية، لم يعد في مقدروه فعل ذلك اليوم. فهو يقبع تحت أزمة مالية واقتصادية خانقة تهدد مستقبل اقتصاده افقدته مصداقيته. وقد خسر النظام الرأسمالي دول أمريكا الجنوبية وباتت تعرض تلك الدول نماذج ازدهار ونمو مغايرة عن النموذج الرأسمالي، تدمج ما بين سياسات السوق الحر والاقتصاد الاجتماعي، تطبق خارج سرب قواعد المؤسسات المالية العالمية ودون شروطها، أي أن النظام الرأسمالي ذاته يتآكل ويواجه المشاكل ومهدد بالانهيار.

هذه المعاني لثورة مصر، تحديدًا، مسكوت عنها إسرائيليًا بل وأمريكيًا لغاية الأن. وهي بحسب رأيي لا تقل أهمية عن الأبعاد الأمنية العسكرية المباشرة لنتائج الثورة. فاذا كانت الحرب على لبنان في العام 2006 وعلى غزة في العام 2008 قد أفقدت إسرائيل قدرتها بالتهديد العسكري بغية فرض تصرف سياسي مقبول أو فرض شروطها لاتفاقيات سلام مع أنظمة عربية، فإن الثورة التونسية والمصرية، سحبت من إسرائيل والغرب أوراق ضغط اقتصادية كانت تلوح بها لإذلال الدول والشعوب العربية.  

لقراءة المقالة الأصلية إضغط هنا

PrintFriendly and PDF
Be Sociable, Share!

مقالات مماثلة